جامع البيان عن تأويل آي القرآن - الطبري - ط الحلبي 01-30

ابى جعفر محمد بن جرير الطبرى

Text

PDF


الجزء الرابع
سورة
حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قوله ( إن تمسسكُم حَسَنَةٌ تَسؤُهُمْ ، وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يفرحوا بها ) قال : هم المنافقون إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورا على عدوهم ، غاظهم ذلك غيظا شديدا ، وساءهم ، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافا ، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين ، سرهم ذلك ، وأعجبوا به ، قال الله عز وجل ( وَإِن تَصْبِرُوا وتتقوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ، إِنَّ اللهَ بما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) .
حدثنا
حسنة:
فرحوا .
القاسم
تسوهم
ید
، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله ( إن تمسسكم ) قال : إذا رأوا من المؤمنين جماعة وألفة ، ساءهم ذلك ، وإذا رأوا منهم فرقة واختلافا
وأما قوله ( وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) فإنه يعنى بذلك جل ثناؤه : وإن تصبروا أيها المؤمنون على طاعة الله ، واتباع أمره فيما أمركم اتخاذ به ، واجتناب ما نهاكم عنه ، من بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم من دون المؤمنين ، وغير ذلك من سائر ما نهاكم ، وتتقوا ربكم ، فتخافوا التقدم بين يديه ، فيما ألزمكم ، وأوجب عليكم من حقه ، وحق رسوله لا يضركم كيدهم شيئاً : أى كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم ، ويعنى بكيدهم : غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين ، ومكرهم بهم ليصد وهم عن الهدى وسبيل الحق" .
واختلف القراء فى قراءة قوله ( لا يضر كُمْ ( فقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز وبعض البصريين : لا يضركم مخففة بكسر الضاد من قول القائل : ضارنى فلان فهو يضير نى ضيرا ، وقد حكى سماعا من العرب ما ينفعنى ، ولا يضورني ، فلو كانت قرئت على هذه اللغة لقيل : لا يضركم كيدهم شيئا ، ولكني لا أعلم وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة ، وعامة قراء أهل الكوفة ( لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا )
أحدا قرأ .
ته ،
بضم الضاد وتشديد الراء من قول القائل : ضرنى فلان فهو يضرنى ضرا .
و أما الرفع في قوله ( لا يَضُرُّكُمْ ( فمن وجهين : أحدهما على اتباع الراء في حركتها ، إذ كان الأصل فيها الجزم ، ولم يمكن جزمها لتشديدها أقرب حركات الحروف التى قبلها ، وذلك حركة الضاد ، وهى الضمة ، فألحقت بها حركة الراء لقربها منها ، كما قالوا : مد يا هذا . والوجه الآخر من وجهي الرفع في ذلك : أن تكون مرفوعة على صحة ، وتكون لا بمعنى ليس ، وتكون الفاء التى هى جواب الجزاء متروكة لعلم السامع بموضعها . وإذا كان ذلك معناه ، كان تأويل الكلام : وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا ، ثم تركت الفاء من قوله ( لا يَضُرُّ كُم كَيْدُهُمْ ) ووجهت لا إلى معنى ليس ، كما قال الشاعر : فإن كان لا يرضيك حتى ترد في إلى قطرى لاإخألك راضيا
ولو كانت الراء محركة إلى النصب والخفض كان جائزا ، كما قيل : مد ياهذا ، ومد
6
(1) البيت لسوار بن المضرب ، وكان قد هرب من الحجاج خوفا على نفسه وهو من شواهد النحويين في باب الفاعل ( انظر المقاصد النحوية فى شرح شواهد الألفية) للعينى على هامش خزانة الأدب للبغدادي ( ٤٥١:٢ ٤٥٢ ، ٤٥٣ ) و ( فرائد القلائد ، شرح مختصر الشواهد ص ١٥٥) و كلاهما للعينى . واستشهد به المؤلف على ترك الفاء من جواب الشرط المقرون بلا لا إخالك» كما ( في الآية)