Text

PDF

)
والغرض الفكري من هذه الاستعارة الدَّلالة على معنى فلسفي، هو أن هذا
النظام الكوني بتراتيبه وتصاريفه المتتابعة لحظةً فلحظة، وبالتغييرات المستمرات اللواتي تجري فيه، يشبه سفينة جارية في البحر ، لها في كلِّ لَحْظَةٍ موقع وحَرَكةً جَدِيدَان دائماً، وأنَّ هذا التَّجَدُّدَ لا يَنْتَهِي إِلَّا إِذَا قَامَتِ الساعة، وانتهى بها كُل هذا
النظام، كما تتوقَّفُ السَّفينة في الميناء، وتُلْقِي مراسيها ، وتَنْبُتُ وتَسْتَقِرُّ عنده . فلم يكن استخدام هذه الاستعارة لمجرد الإمتاع الفني بصورة بلاغية جمالية، بل اقترن به غَرَضٌ فكري اشتمل على بياناتٍ ذواتِ قيمة، مع الإيجاز الشديد، والاقتصاد في العبارة، وهكذا شأن التشبيهات والاستعارات، إذ تكفي فيها الكلمة الواحدة عن جُمَل كثيرة، فتغني في الدَّلالة عَلَى معانيها، مع ما فيها من جمال
يَسُرُّ المتفكرين .
..
فتعبير القرآن : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ : أَيَّانَ مُرْسَاهَا؟ ) - بهذا الإيجاز الذي هو غاية في الاقتصاد في العبارة - يَحْمِلُ أبعاداً فكريَّةً مديدةً وَاسِعةً، مع أَنَّه مؤلف من كلمتين فقط : آيانَ مُرْسَاها؟)، لكنهما مُنتَقَاتَان بدقة فائقة .
وبعد ذلك جاء التعليم الرباني للرسول كيْفَ يُجيب على هذا السؤال،
فقال عزّ وجلّ :
الا بغتة
قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِيهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُو ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيَكُمْ
في هذا التعليم إجَابَةٌ شاملة على كلِّ التساؤلات الْمُحْتَمَلَةِ عَنِ السَّاعَة بِجُمَل
أربع ليس بينها حرف عطف، لأن بينها كمال الاتصال.
فالجملة الأولى: (إِنَّما عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) :
أي : ما علم وقت وقوعها إلا عند ربّي، بحذف كلمتي : «الْوَقْتِ والوقوع»
للعلم بهما، إذ المسؤول عنه هو وقت وقوعها أما ما سوى ذلك من أمرها فقد جاء
به
الْخَبَرُ، فالتصريح بوقت الوقوع إطناب لا لزوم له.
٤٣٨