الأبعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام

مصطفى محمود منجود

کتاب کا متن

تصویری کتاب

من
ويجب أن تكون النقلة المكانية - الهجرة - إلى موضع تستعلى فيه كلمة الإسلام، ذلك أن رحيل المسلم إلى بلد ليست للإسلام عليه سطوة أو سيادة، قد يعرضه لفتنة أكبر تلك التي اضطرته إلى الهجرة إلا إذا استطاع أن يظهر إسلامه ويعمل طبقا لعقيدته دون أن يخشى الفتنة على نفسه وعقيدته
(۱)
وثانيهما أن الهجرة ولاء وبراء داخليان فهي ولاء من حيث الخروج من موقع الفتن حفاظا على العقيدة ودفاعا عنها، والبعد عن ارتكاب محظور لا يتفق ومقتضياتها، وهي براء من حيث الإنكار على المختلفين من أبناء الأمة أن يكون طريقهم طريق المسلم الحقيقي. وثالثهما أن الهجرة - إذ تفرض على المسلم الانتقال المكاني إلى حيث يأمن إنما تلزمه في حقيقة الأمر بتحقيق المعنى الباطن، والمعنى الظاهر لها (٢) ، فالمعنى الباطن هـو تـرك ماتدعو إليه النفس من الرغبة في الاختلاط بأحداث الاضطراب بين المسلمين، ومجاهدة النفس تستلزم هجران الشهوات والأخلاق الذميمة والخطايا، وتركها ورفضها (۳)، وترك ما يدعو إليه الشيطان وهو أس الفتن كما في حديث إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحرش بينهم"
(E) 11
أما المعنى الظاهر للهجرة فهو الفرار بالدين من الفتن وإيثار السلامة، قال الشافعي و دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن فرض الهجرة على من أطاقهـا إنما هو على من فتن عن دينه بالبلد الذي يسلم بها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم العباس بن عبد المطلب إذا لم يخافوا الفتنة" (٥).
ورابعها أن الهجرة - كالاعتزال - حجة عل كل من وجد ملجأ أطاقه ليفر بدينه ولم يلجأ إليه، لقوله تعالى إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا
(1)
فمن يرفض الهجرة وقد حلت شرائطها هو مستشرف للفتن وإن تصور غير ذلك وربما أضاف إليها وقودا جديدا من حيث لا يدري "ومن وقع في الشبهات وقع في
(۱) انظر: القحطاني، مرجع سابق، ص ۷۱.
(۲) انظر حقيقة المعنيين في: ابن حجر، مرجع سابق، طبعة ۱۹۷۹، ج ۱، ص ۱۰۷. (۳) انظر: الأصفهاني، المفردات مرجع سابق، ص٥٣٦-٥٣٧. (٤) أي في التحريش بالخصومات والحروب والفتن ونحوها. انظر صحيح مسلم، مرجع سابق، ج ۱۷،
ص ١٥٦.
(٥) انظر: الشافعي، الأم، مرجع سابق، ج4، المجلد الثاني، ص ١٦١. (٦) النساء/ ٩٧ .
٤٧٠