البيان بلا لسان دراسة في لغة الجسد - عرار

مهدي أسعد عراد

کتاب کا متن

تصویری کتاب

=
300
المطلب الثالث / الأنظار المستشرفة (الفصل الثالث) أَبِي رَبيعَةَ عَلَى لِسَانِهِ أَنْ يَمنَحَ طَرفَ عَيْنَيْهِ غَيْرَهَا، وَأَنْ يُولّي وَجْهَهُ شَطْرًا غَيْرَ شَطَرِها، لِيَكونَ في هَذِهِ الحَرَكَةِ الجَسَدِيَّةِ التي هِيَ صَرفُ النَّظرِ عَنْهَا صَرِفُ نَظَرِ لِلنِّظَارَةِ عَنْ شَخصِ المَعْشوقَةِ أَوْ مَكانِها ، إِنَّهَا إِذَا حَرَكَةً جَسَدِيَّةٌ حَمَالَةٌ فِي مَفْصِدِها الكُلّي، وَمَغْزاها المَقامِي، لِمَعْنى التَّضْلِيلِ وَالتَّعْمِيَةِ:
إِذا جِئتَ فَامْنَحْ طَرْفَ عَيْنَيْكَ غَيْرَنا لِكَيْ يَحْسِبُوا أَنَّ الهَوى حَيْثُ تَنظُرُ (1) . وَمِمَّا يَسِيرُ بِرَكْبِ ما تَقَدَّمَ قَولُ عُمَرَ بنِ أَبي رَبيعَةَ مُعِزّزًا هَذا المَعْنى، مُلتَمِسًا فَضْلَ لُغةِ الجَسَدِ فِي التَّعْمِيَةِ وَالاسْتِخفاءِ وَالتَّضْليلِ، وَنَصْبٍ مَعْنَى مُخالِف لِهَوى نَفْسِهِ فِي نَفْسِ النِّظَارَةِ أَوِ الرُّقَبَاءِ: لَمَا دَخَلتُ مَنَحْتُ طَرْفِي غَيْرَها عَمْدًا مَخافَةَ أَنْ يُرى رَيعُ الهَوى (2).
وَإِذا كانَتِ الوَصِيَّةُ فِي قِصَّةِ عُمَرَ بنِ أَبِي رَبيعَةَ مِنَ المَعْشَوقَةِ إِلى العاشِقِ، فَإِنَّ الأَمْرَ بِالضّدِ عِندَ آخَرَ؛ إِذْ إِنَّهُ يَطلُبُ إِلَيْها أَنْ تَغضَّ جُفُونَهَا عَنْهُ، وَأَنْ تَنظُرَ أَمَمًا حِفْظًا لهذا المفهومِ العِشْقِي، وَخَوْفًا مِنَ افْتِضاحِ العِشْقِ، وَاحْتِرَاسًا مِنْ وِشَايَةٍ قَدْ تَتَخَلَّقُ مِنْ هَيْئَةِ نَظْرَتِهَا وَاتِّجَاهِها: غُضّي جُفُونَكِ عَنِّي وَانْظُرِي أَمَمًا فَإِنَّمَا افْتُضِحَ العُشَّاقُ بِالمُقَلِ(3)
ثانيا : التَّعْمِيَةُ بِصَرْفِ النَّظَرِ تِلْقاءَ السَّمَاءِ أَوِ الْأَرْضِ:
وَما مِنْ رَيْبٍ أَنَّ النَّظْرَةَ، وَهَيتَها، وَاتَّجَاهَها، كُلّ ذلِكَ دَالٌ يُفَاءُ إِلَيْهِ فِي التَّواصُلِ، وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في إقامَةِ الأَحْكامِ، وَتَقْرِيرِ الأدلّةِ، وَقَدْ تَبايَنَ أَهلُ العِشْقِ في ستْرِ ذلك، فَمِنْهُمْ مَنْ سَتَرَ ذلِكَ بِمَنحِ طَرْفِ عَيْنيْهِ ناحِيةً ما ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هذا آنِفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ النَّظرِ إِلى المَعْشوقِ مُولّيّا نَظَرَه إِلى الأَرْضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ مُولِّيَا نَظَرَه إِلَى السَّقْفِ كُلّ ذلِكَ مِمَّا يُعدُّ مُحاوَلَةً لِصَرفِ نَظَرِ الجُلَسَاءِ وَالرُّقَباءِ عَنِ المَعْشوقِ واستدراجِهِ إِلَى غَيْرِ مَكانِ نَظرِ القَلبِ، وَفي صَرفِ النَّظَرِ نَحوَ السَّقفِ تَعمِيَةٌ قَالَ عَنْها أَحمدُ بنُ طَيْفور:
(1) انظر : عمر بن أبي ربيعة، ديوانه، 124. (2) انظر: عمر بن أبي ربيعة، ديوانه، 25. (3) انظر: الأنطاكي، تزيين الأسواق، 279/1.