کتاب کا متن

تصویری کتاب

الأمة
هي
الفصل الأول
الثقافة والواقع الإسلامي
يتداول اليوم مصطلح (ثقافة) على نطاق كبير حتى ليبدو لأول وهلة أنه من التحديد بحيث لا يدع مجالاً للبس أو غموض . غير أن الواقع غير ذلك لأن هذا المصطلح من المصطلحات الحديثة التي لم تكن موضوع تعميق وخاصة باللغة العربية بل إنه لا يعرف بالضبط من استولد هذه الكلمة . من اللغة العربية . فالثقافة في اللغة (وهي كلمة محدثة كما يشير إلى ذلك (المعجم هي العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق فيها وثقف صار حاذقا فطنا وثقف العلم والصناعة حذقهما. لكن للكلمة معنى آخر لدى الغربيين. ولقد كان من أكثر الباحثين اهتماماً بهذه الكلمة علماء الإنسان (الأنتروبولوجيــون) . ويفهم من التعاريف التي تداولوها أنهم أميل إلى استعمال هذه اللفظة بمعنى الحضارة، فيقولون مثلا إن مجموعة أشخاص لهم ثقافة معينة. يقول عالم الإنسان وليام) هاولز) في كتابه (ماوراء التاريخ) ... لولا الثقافة لكنا مجرد نوع آخر من أنواع الحيوان أي نوع من القردة العليا، يعيش كبقية الأنواع في جماعات صغيرة لها كل خصائص المجتمعات ولكنها مجتمعات بـدون ثقافة . فكل زمر أو مجتمعات الشامبانزي تتصرف بأسلوب واحد سواء في طريقة الأكل أو النوم فوق الشجر أو التجول بل وفي علاقاتها الإجتماعية الصاخبة. وهذه كلها أمور مميزة للشامبانزي حددتها لها طبيعتها وقدراتها العامة. أما حالة الإنسان فتختلف عن ذلك. إن لكل مجتمع بشري رصيداً إضافياً من السلوك يغطي ويخفي تلك الخصائص الأولى ويعدل فيها. وهذا الرصيد الإضافي هو ما نسميه بالثقافة. وزيادة على ذلك فإن هذه الطبقة العلوية لا تتشابه أبدا في مجتمعين متمايزين لأنها ليست فطرية كما أنها لا تصبح أبدا جزءا من التكوين نفسه أي أنها ليست في ذاتها خاصية بيولوجية. صحيح أنها (تورث) ـ وهذه نقطة هامة - ولكن كما تورث الأملاك لا كما تورث العيون الزرق فالثقافة إذن هي كل تلك الأشياء التي لا تورث بيولوجيا. وبدلا من ذلك تتألف الثقافة من كل الأشياء التي قبلها الإنسان كطريقة للعمل أو التفكير وبالتالي كل ما يعلمه الإنسان لغيره من الناس، وذلك لأن هذه هي الوسيلة التي تنتقل بها الثقافة كما أنها ـ وهذه مسألة حيوية - هي الطريقة التي تتغير بها وتنمو وتتطور الثقافة هي المعرفة برمتها وكذلك تنظيم السلوك، والإثنان من خصائص الإنسان وهي تعلم وتتعلم مادامت غير فطرية . . . ولما كنا وحدنا نستطيع أن نعلم الثقافة ونتعلمها فإننا أيضاً الوحيدون بالطبع الذين نستطيع اختراع الثقافة أو خلقها بالفعل . . . )
ويقول (كلاكهون) في كتاب علم الإنسان في أزمة العالم): (يقصد بالثقافة خطط جميع الحياة التي تكونت على مدى التاريخ بما في ذلك المخططات الضمنية والصريحة والعقلية واللاعقلية وغير العقلية وهي توجد في أي وقت كموجّه لسلوك الإنسان عند الحاجة. وبكلمة أخرى إن الثقافة هي نسيج من معتقدات وأنماط تفكير ومعرفة وقيم تؤثر في أنماط السلوك وتحددها. والثقافة، بهذا المعنى، لا تميز بين الشعوب على أساس مستوياتها الحضارية فما يدين به الهنود الحمر من معتقدات وأنماط تفكير ومعرفة وقيم وأنماط سلوك يتميزون بها ثقافة مثلما هي ثقافة أيضاً معتقدات وأنماط تفكير ومعرفـة وقيم وأنماط سلوك الشعب الإنكليزي أو الفرنسي بهذا فأول خصائص هذه الكلمة هي أنها (واقع
--