الديار المقدسة قبل قرنين بريشة ريتشارد برتن واخرين-غيرملون

ماجد شبتر

کتاب کا متن

تصویری کتاب

هذه المنغصات هاجمهم البدو من جديد، ولم يستطيعوا تفريقهم إلا بعد قتال عنيد على حساب عدة جمال. وبعد عبور الوادي المشهور الذي غنّاه الشاعر العربي لبيد في أبيات تذكر بقرية الصائغ المهجورة، حلقوا رؤوسهم في حال من التقوى وارتدوا الاحرام : أي قطعتين من قماش قطني ذات خطوط حمراء وشراشيب. وعندما ظهرت المدينة المقدسة أمامهم، رفعت القافلة جمعيها النداء: مكة ! يا بيت الله الحرام ، ، لبيك اللهم لبيك .. وكانت هذه الصيحات تُقطع بالنحيب في كثير من
الأحيان.
مع
وعند دخول البوابات، عبر برتن ونور تلة الصفا المشهورة واتخذا لهما مسكناً مع الصبي محمد . وفي الصباح الباكر من اليوم التالي، نهضا واستحما وشقا طريقهما الحشود إلى بيت الله الحرام لكي يتعبدا عند المبنى الكبير الذي يسمى الكعبة والجدار شبه الدائري المجاور له. كانت الكعبة المشهورة - التي تنتصب في وسط الساحة الكبيرة - تبدو من بعيد كمكعب هائل مغطى بستارة سوداء لكن في الواقع كان مخططها بشكل شبه منحرف. وها هي أخيراً هناك. يصيح برتن. «هدف حجي الطويل المتعب، الذي حقق لي خطط وأحلام سنوات وسنوات» الكعبة مكان الصلوات المستجابة، والتي فوقها في سماء السماوات يجلس الله نفسه ويشطب بقلمه الخاص خطايا الناس. «لقد أعطت صورة الخيال لهذا البناء الضخم وغطائه الأسود سحراً خاصاً». من بين جميع المتعبدين الذين كانوا يتعلقون بالستارة باكين أو الذين كانوا يضغطون بقلوبهم النابضة على الحجر الأسود الموضوع في الكعبة، لم يكن هناك واحد ، كما كان برتن يظن - يشعر في تلك اللحظة بعاطفة أعمق مما كان يشعر هو. لكن كان عليه أن يعترف بالحقيقة المذلة أنه بينما كانت مشاعرهم مشاعر حماسة دينية رفيعة، كانت مشاعره مشاعر نشوة الكبرياء المرضي. تقدم - وهو العاري الرأس والحافي القدمين برفقة محمد - أولاً نحو بئر زمزم المقدسة التي يقال إن الله أراها لهاجر. وجدوا مذاق الماء كريهاً جداً، ولاحظ برتن أنه لم يشرب منه أحد دون أن يتجهم وجهه . في البدء كان من المستحيل الاقتراب من الحجر الأسود بسبب ضغط الحجاج. لكنهم شغلوا الوقت فى عدة صلوات صلوا على النبي، وقبلوا رؤوس أصابع اليد اليمنى (أي شكروا الله) . ثم قاموا بالأشواط السبعة أو الدورات ومن وقت لآخر كانوا يرفعون أيديهم إلى آذانهم يصرخون «بسم الله والله أكبر». انتهت الدورات وأصبح من المستحسن تقبيل الحجر الأسود. وقف برتن عدة دقائق ينظر في يأس إلى الحشود المجتمعة من البدو والحجاج الآخرين الذين كانوا يحاصرونه. لكن محمداً كان كفواً للمناسبة. لاحظ أن معظم من كانوا
14