Text

PDF

نثر ابن زيدون الفني
بقلم : مي
عثمان الصالح
كان ابن زيدون كاتبا كما كان شاعرا أملى عليه هذا النثر الرائع والادب اليانع ،
والبلاغة النادرة ، والفصاحة الحلوة . طبع مستجيب وذهن فياض وعقل لماح ، وفكـــــر
متوقد
ووعي متيقظ ، واحساس مشبوب ، وثقافة جامعة ، وتحصيل شامل ، وتكوين عام ، وتربية سليمة ، وبيئة نظيفة ، وتجارب صحيحة ، وسياسة حكيمة ، ورغبة صادقة . لم يدفعه اليه الاحتراف ، ولم يحمله عليه التكسب وانما كان يدفعه اليه الميل والرغبة لذلك كانت جمله عامرة بالموسيقى . مليئة بالأوزان . كأنه شعر من طراز جديد ، أو نوع مستحدث لم يجر فيه على سنين المعاصرين ، ولا أسلوب الكاتبين ، وانما كان مثالا فريدا ، ونموذجا وحيدا . جرى فيه على طريقة ابن العميد ، ولكنه زاد عليه الخيال المحلق ، واللفظ المتألق والنسج الناعم ، والوزن الناغم ، والمجال الواسع ، والاسلوب الرائع ، وان كانت فقراته في بعض الاحيان متساوية ، وشجاعته ربما تدانية ، الا انه ويستعين بالاشخاص والامثال والمواقف والعظات ويحملك الى أن ترجع الى ثنايا الزمن وتعيش في بطون الايام والليالي ، فهو لا يكتب للدهماء ، ولا يخاطب السوقة . بل يكتب للمستنيرين ، ويخاطب المثقفين الذين قرأوا التاريخ واحاطوا بالحوادث ، وعرضوا الامثال ، وانتفعوا بالتجارب وارتفعوا عن مستوى السوقة .
يستخدم التاريخ ، والحوادث
"
وعلى الجملة فاننا لا نكون مبالغين ، ولا متغالين اذا قلنا انه فاق كتاب المشرق
والمغرب في حسن الديباجة ، وجمال الأسلوب ، والافتنان في ضروب القول ، وغزارة المادة،
١٨٥