Text

PDF

الظاهرة الأكثر بروزاً في المقدس هي بهذا وحدته من خلال تعدد أشكاله . ولعل . هذا النوع من التفكير الذي غلب في القبائل القديمة يتطابق مع ماسمي في العهد اليوناني اللاحق بمذهب روحانية المادة أو مذهب الحيوية حيث كانت القبائل تدين بمبدأين هما المادة والروح ولكنها تنسب روحاً إلى كل كائن مادي وترى أن كل شيء في الطبيعة ذو روح يماثل الروح الإنسانية وتستبعد إمكان تصور العالم على أساس أنه دائرة مقفلة من العلل والمعلولات وتتصور الحوادث الكونية على أنها معلولة لحوادث أخرى حتى تنتهي إلى علة أولى .
هي
علة العلل .
هو
إن السؤال المهم الذي لم تعط عنه الأبحاث جواباً . كيف نشأت في ذهن الناس الأولين فكرة وجود شيء ء ما خلاف المادة وراء الظواهر المادية مع أن حواس الإنسان لا تعطيه انطباعات أو ارتسامات إلا عما هو مادي ؟ لقد ثبت لنا - كما رأيت ـ أن الإنسان منذ وجوده وقبل نشوء الفلسفات كان يبحث عما وراء المادة. فهل كان الأمر نابعاً من داخل النفس ؟ وإذا كان الماديون يعتبرون أن ما يحدث من أثر نفسي هو إفراز مادي المنشأ فأين أصل هذا الإفراز المادي ؟؟ .
لكننا
قدمنا فيهما سبق صورة موجزة جداً لما راود الفكر البشري في مطلع التاريخ من أفكار حول الكون لم نتعرض خلاله إلى ماجاء به الرسل والأنبياء حول هذا الأمر لأنه سيكون موضوع عرض شامل لاحق. نود أن نصحح - بالمناسبة ـ رأياً كان شائعاً لفترة طويلة وهو أن الثقافة اليونانية القديمة كانت أم الثقافة ومصدرها. والحقيقة - كما تبين مما سبق - أن اليونانيين لم ينشئوا الحضارة إنشاء بل إن ماورثوه منها أكثر مما ابتدعوه وكانوا الوارثين المدللين لذخيرة من العلم والفن مضى عليها ثلاثة آلاف من السنين. ومهما يكن ماضي التفكير البشري حول الكون فإن الأمر الذي لا شك فيه أن الثقافة اليونانية قبل الميلاد كانت بما جمعته من ذخيرة منطلقاً لمزيد من الوضوح في الأفكار حول هذه المسألة. وقد تشعبت فيها النظرات إلى الكون. ولسنا هنا في معرض استعراض تفاصيل تلك النظرات لكننا نشير إلى أن الفرضيات التي يطرحها المفكرون في الزمن الحديث نجد لها أصلاً ولــو مبتسرا أحيانا في الذخيرة اليونانية القديمة. والفرق بين الفكر اليوناني القديم وبيننا وبينه حوالي ۲۵۰۰ عام) والفكر الحديث أن الزمان الذي انقضى أتاح الفرصة من جهة للكشف عن الكثير من أسرار الكون بطريقة علمية، ومن جهة أخرى لعرض فكر ونقيضه هو فكر الخلق وفكر اللاخلق الفكر الأول عرضه الرسل والأنبياء بكثافة خلال هذه الفترة الزمنية وجاء العلم له بعدد كبير والفكر الثاني عرضه أصحاب فرضيات سعوا إلى أن يجعلوا المعطيات العلمية في خدمتهم. والحقيقة أن الفكر المتعلق بتفسير الكون يتمحور حول هذين القطبين: فكر الخلق ومبدأ الغائية وفكر اللاخلق (ومبدأ الآلية) .
-^-