Text

PDF

الفصل الثاني
الانسان القديم يرقب الكون
كان الإنسان هذا الكائن المتميز بالقدرة على التفكير على حق عندما نظر بإجلال وإكبار وخشوع إلى هذا الكون العظيم. إن الإنسان الأول، على الرغم من أنه لم يكن على اطلاع على الخفايا التي استطاع الإنسان المعاصر أن يلم بها ولم يكن يعرف الذرة ولا الخلية على روعة مافيهما تساءل منذ أن قام أضيق اجتماع بين أفراده عن سر هذا الكون. وقد دلتنا الأبحاث الأنتروبولوجية والانتـولوجية والتنقيبات الأثرية على أنه ظهر منذ عام (۸۰۰۰) قبل الميلاد أي تماما قبل المحاولات الزراعية الأولى - كما ظهر في قرية مريبط على نهر الفرات - فن في شكل تماثيل صغيرة لنساء وكانت هذه التماثيل من الحجر أو من الطين المشوي وكانت ذات مؤخرة واثداء بارزة جداً. ولوحظ في مريبط) إلى جانب هذه الصورة النسوية، في نحو عام (۸۲۰۰) قبل الميلاد وجود جماجم لثيران وحشية مطمورة في جدران المنازل الغضارية واستخلص الباحثون أن الأمر، والحالة هذه لا يتعلق بتمثيلات فنية وأن الطابع الرمزي لهذه مجالاً للشك في أن القصد كان ايديولوجيا. وقد انتشرت التماثيل النسوية الصغيرة
المودعات لا تدع بسرعة في الشرق الأدنى وإلى ما بعده مع تقدم العصر الحجري الحديث ونعثر عليها في الألف السابع قبل الميلاد في منطقة طوروس التركية كما نجدها في تل أسود قرب دمشق وفي أريحا في فلسطين .. الخ . وقد انتشرت التماثيل أيضاً في بلاد ما بين النهرين وإيران إن هذا يفترض أن ثمة فكرة واحدة كانت كامنة وراء التنوع الشكلي للتعبيرات المختلفة. وقد ذهب الإختصاصيون إلى القول بأن هذه التماثيل الصغيرة هي تمثيلات لآلهة نسوية وشكك بعضهم في هذا الرأي إلى ماقبل مكتشفات قرية (Catal Hayuk) التي كانت تعود إلى ما بين نهاية الألف السابع وعام (٥٥٠٠) قبل الميلاد. إن انحفاظ هذه القرية أتاح الكشف عن معابد أهلية وافريزات مدهونة ونقوش عالية وتماثيل وتماثيل صغيرة وكان أكبر التماثيل شهرة تمثال امرأة بدينة جامدة التقاطيع تلد وهي جالسة على عرش مؤلف من فهدين. كما وجد إلى جانب هذه الآلهة النسوية صورة لرجل ذي لحية يمتطي ثوراً وهو تصور مسبق مدهش لإلـه العاصفة والحرب الذي سوف يمثل بنفس الشكل في عصر البرونز اللاحق. ونحن إذا ما انتقلنا إلى الصحراء الأفريقية وجدنا إلها كبيراً غير محدد الجنس يسحق بكتلته في بقايا ماتحت صخر (Hogar)، الناس الذين يحيطون به وأذرعهم مرفوعة في وضع مصلين. ونجد في جنوب وهران الكبش ذا الكرة أناسا رافعي الأذرع كذلك. ويستخلص الباحثون أن (المقدس) لم يعد يدرك على مستوى الإنسان بل على مستوى فوق الإنسان) ويترجم هذا بالإعتقاد بكيان علوي له شكل إنسان أو حيوان بينما تتجه البشرية بعد ذلك نحوه بجهد الدعاء الذي تعبر فيه الأذرع المرفوعة نحو السماء (كما تقول مجلة البحث الفرنسية في عددها ١٩٤ لعام ١٩٨٧).
يتقدم
#
أن
ويبدو من الدلالات المتوفرة أن التقدم الذي أحرزه الإنسان في ميدان الزراعة وتربية الحيوان كان أبكر في منطقة الشرق الأدنى بلاد الرافدين وسورية ومصر عنه في أي منطقة من العالم كما يبدو الشرق الأدنى قدم أفضل الظروف المناخية ملاءمة وأنه كان البقعة الوحيدة في العالم القديم التي نمت حبوب الحنطة والشعير البرية . ونشأت (سوم) و (اكاد) بمدنها المكتشفة حديثاً (لاريدو، أور،
فيها
-1-
1