تفسير المراغي (ط. الحلبي)

أحمد مصطفى المراغي

Text

PDF


الجزء الحادي عشر
سورة
رسوله من الهدى والبينات في كتابه وما آتاه من الحكمة التي بين بها تلك الحدود
تارة بالقول وأخرى بالفعل . وكان صحابته في المدينة وما حولها يتلقون عنه الكتاب حين نزوله ويشهدون سنته في العمل به ، ويرسل عماله إلى البلاد التي افتتحت يبلغون الناس القرآن ويحكمون به وبسنة رسوله المبينة له - وكل هذا لم يكن مستطاعا لأهل البوادي ، ومن ثم كان الجهل فيهم أكثر الحال المعيشة البدوية .
روى أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا « من بدا جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتي أبواب السلطان افتتن ، وما ازداد أحد ، وما ازداد أحد من سلطانه قربا ، إلا ازداد من الله بعدا » ذاك أن السلاطين قلما يرضون عمن يصارحهم القول ويؤثرهم بالنصح
ولا يزداد قربا منهم إلا المراءون الذين يعينونهم على الظلم ويثنون عليهم بالباطل. والله عليم حكيم ( أى واسع العلم بشئون عباده وأحوالهم من إيمان وكفر وإخلاص ونفاق ، تام الحكمة فيما شرعه لهم ، وفي جزائهم من نعيم مقيم ،
أو عذاب أليم ) ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ) أي ومن الأعراب ناس كانوا ينفقون أموالهم في الجهاد رياء ونقيّة ، ويعدون ذاك من المفارم التي يجب على المرء أداؤها طوعا أوكرها لدفع المكروه عن أنفسهم أو عن قومهم ولا منفعة لهم فيها لا في الدنيا وهو واضح ولا فى الآخرة لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قال الضحاك : هم بنو أسد وغطفان . ( ويتربص بكم الدوائر ) أى ينتظرون أن تحل بكم نوائب الزمان وأحداثه التي تدور بالناس وتحيط بهم ، فتبدل قوتكم ضعفا والتصاركم هزيمة ، فيستريحوا من أداء هذه المغارم فكم ، إذ يستغنون عن إظهار الإسلام نفاقا ، وقد كانوا يتوقعون ظهور المشركين واليهود على المؤمنين، فلما أعيتهم الحيل صاروا ينتظرون موت النبي صلى الله عليه وسلم ظنا منهم أن الإسلام يموت بموته .
(عليهم دائرة السوء) هذا دعاء عليهم بنحو ما يتربصون به المؤمنين ، أي عليهم