الديار المقدسة قبل قرنين بريشة ريتشارد برتن واخرين-غيرملون

ماجد شبتر

Text

PDF

تصورها، وتعلم - من بين الأشياء الأخرى - كيف يصنع نعل الفرس وكيف ينعل الفرس. وقام بعدة زيارات إلى والديه وإلى الليدي ستيستد ( Lady Stisted) وبناتها اللواتي كن يقمن في مدينة باث، لكنه عندما افترق أخيراً عنهن بكلمته المعتادة: وداع بلا وداع : adian dieu لم يخطر ببالهن أبداً أنه على وشك المغادرة بشكل نهائي. لأنه لم يستطع - لم يستطع أبداً - أن يستجمع شجاعته ليقول وداعاً على نحو نهائي. وبعد رحيله بقليل وجدت أمه رسالة موجهة إليها بخط يده. كانت تحتوي - إضافة إلى ملخص لخططه المحفوفة بالمخاطر - وصيَّته بأن يُقسم كل ما يملك من أشياء ثمينة بينها وبين أخته في حال وفاته.
ومرة أخرى استمتع برتن بالتنكر. اختفى ريتشارد ف. برتن وحلّ محلّه میرزا عبدالله - وهو شخص قوي البنية مفتول العضلات - من بوشهر Bushire «كنت أرغب دائماً أن أرى» ـ كما شرح لأحد أصدقائه - ما كان الآخرون راضين عن سماعه». كان ذا شعر طويل وكان وجهه ملطخاً بالحنة إضافة الى أطرافه. غادر لندن - يرافقه الكابتن هنري غريندلي من فرسان البنغال إلى ساوثامبتون في 3 نيسان 1853، ومن هناك سافر بالباخرة إلى مصر، من دون أي تفكير بعيني ايزابيل ارونديل، ولا شعر رابونزيل، ولم يكن أبداً على علم بالتأوهات التي أثارها رحيله. حلّ في الاسكندرية ضيفاً على السيد جون تربورن ونسيبه السيد جون لاركينغ في مقر إقامتهما «السيكامورز» لكنه كان ينام في مبنى خارجي كي يضلل الخدم. كان يثابر على قراءة القرآن، وترتفع صلواته مع شيخ محلي نقل إليه محاسن الدين وطهر نفسه وأظهر التقوى بفخر كبير، وأعلن أنه كان حكيماً أو طبيباً ويستعد كي يصبح درويشاً . ولما كان له بعض الإلمام بالطب، فقد كان هذا الدور سهلاً ، وروحه المرحة جعلت خبرته ممتعة جداً على الباخرة التي حملته إلى القاهرة، تأخى مع اثنين من زملائه المسافرين أحدهما هندوسي يدعى خدابخش Khodabakhsh والآخر تاجر من الاسكندرية حاجي والي. كان هذا الأخير - الذي دامت صلته ببرتن حوالي 30 عاماً - رجلاً متوسط العمر ذا رأس كبير مستدير حليق تماماً، وعنق كعنق الثور، ولحية حمراء رقيقة، ومعالم حسنة كانت توحي بحب الخير، وكان معروفاً بالمكر والجشع . لدى الوصول إلى بولاق، وهو مرفأ القاهرة، دعا خدابخش، الذي كان يسكن هناك، برتن إلى النزول عنده كان خدابخش - كعادة الهنود - يريد من ضيفه أن يجلس ويتحدث ويدخن ويحتسي الشراب طيلة النهار الأمر الذي لم يستطع برتن تحمله. يقول: «إن أقل ما يناسب الشخص الانكليزي في المجتمع المستقر الرغبة التامة في العزلة عندما لا يستطيع المرء أن ينفرد إلى نفسه لحظة دون أن يوجه إليه أحد رفاقه الأسئلة السخيفة، أو ينظر في
7