الديار المقدسة قبل قرنين بريشة ريتشارد برتن واخرين-غيرملون

ماجد شبتر

Text

PDF

نجح برتن في نسخ ملاحظاته أثناء غياب الشيخ مسعود ، سائق جمله والولد محمد . كان يرسلهم من أماكن التوقف في طلب الماء. وكانت الآبار في الغالب على مسافة بضعة أميال، يحرسها جنود يتقاضون ثمناً باهظاً للسائل الثمين.
وفي اليوم التالي ذهب إلى جبل عرفات المقدس المعروف عند قراء «ألف ليلة وليلة» من قصة أبي حسن وأبي جعفر المجذومين المؤثرة، وقدر أنه كان واحداً من بين 50000 حاج . كان الجبل مكتظاً بالناس وكان عند أسفل المخيم الضخم أكشاك وأكواخ وبازارات تعج بجميع أنواع الطعام الشرقي اللذيذ، كما كان مملوءاً بالمشترين. لكن بدلاً من الإصغاء إلى المواعظ الدينية، أخذ برتن يغازل إحدى بنات مكة ذات البشرة الشاحبة والعينين الذائبين
وفي اليوم الثالث انطلق نحو منى ممتطياً حماراً وشارك في الشعيرة التي تُدعى رمي الشيطان بالحجارة رمي الجمرات . لكنه لم يكن سوى واحد من حشد كبير، ولكي يصل إلى العمود الذي ترمى عليه الحجارة كان من الضروري بذل الكثير من الجهد بالأكتاف. لكن برتن ومحمداً، كلاهما وصلا إلى هدفهما وكبقية الناس رجما الشيطان بحيوية، قائلين وهما يفعلان ذلك: «بسم الله، الله أكبر». كان الخروج من بين الحشود صعباً كالدخول بينهم. تلقى محمد ضربة في وجهه جعلت الدم يخرج من أنفه، وطرح برتن أرضاً ، لكنه باستعمال السكين بحكمة» شق طريقه تدريجياً إلى المكان المكشوف من جديد، وذهب مرة أخرى كي يحل من إحرامه ويحلق شعر رأسه بتقوى وتقليم أظافره، وهو يردد الصلوات دون انقطاع. وبعد عودته إلى مكة بوقت قصير ركض إليه محمد بانفعال شديد صارخاً: «انهض يا أفندي ارتد ثيابك واتبعني. الكعبة مفتوحة». أخذ الاثنان طريقهما إلى هناك بابتهاج ولما كانت إجابات المسؤولين هناك مرضية، طلبت السلطة هناك من محمد أن يقود برتن حول المبنى، فدخلا . كانت لحظة محفوفة بالمخاطر. وعندما نظر برتن إلى الجدار الخالي من النوافذ وإلى المسؤولين عند الباب وفكر بالكتلة المحشورة من المتعصبين المنفعلين في الخارج، شعر كأنه جرذ في فخ . ومهما كان المسيحي محمياً في مكة، فلا يمكن لأي شيء أن ينقذه من سكاكين المؤمنين إذا تم اكتشاف وجوده في مكة. كانت الفكرة نفسها تُعتبر تلويثاً للمسلم.
يقول برتن: «ليس هناك شيء أكثر بساطة من داخل هذا المبنى المقدس. فالأرضية تتألف من بلاطات من رخام فاخر من مختلف الألوان. كان القسم العلوي من الجدران، إضافة إلى السقف مغطى بالدمقس الأحمر الجميل، وعليه أزهار من الذهب. كان السقف المنبسط مدعوماً بدعامات عرضانية ثلاث. يدعمها في
16