تهذيب البداية والنهاية - ط دار السلام غير ملون 01-05

عماد الدين ابي الفداء بن كثير

Text

PDF

باب هجرة رسول الله الله بنفسه الكريمة من مكة إلى المدينة
،
:
،
من
روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال : اشترى أبو بكر من عازب سرجاً بثلاثة عشر درهماً، فقال أبو بكر العازب مر البراء فليحمله إلى منزلي، فقال: لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه؟ فقال أبو بكر : خرجنا فأدلجنا، فأحثثنا (١) يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت بصري هل أرى ظلا نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية ظلّها ، فسوّيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة، وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحداً الطلب، فإذا أنا براعي غنم فقلت لمن أنت يا غلام؟ فقال لرجل من قريش، فسماه فعرفته فقلت : هل في غنمك من لبن؟ قال : نعم قلت: هل أنت حالب لي؟ قال : نعم فأمرته فاعتقل شاة منها ، ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفّيه من الغبار، ومعي إداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة (۲) من اللبن فصببت ـ يعني الماء ـ على القدح حتى برد ،أسفله ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيته وقد استيقظ، فقلت: اشرب یا رسول الله، فشرب حتى رضيت ثم قلت هل آن الرحيل؟ فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحدٌ منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا؟ قال : «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين - أو قال : رمحين أو ثلاثة - قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا ؟ وبكيت، قال: «لم تبكي؟ قلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك. فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «اللهمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال : يا محمد قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك ستمر بإبلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لَا حَاجَةَ لِي فيها ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق ورجع إلى أصحابه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق على الأجاجير (۳)، واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون : الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء محمد قال: وتنازع القوم
(1) أحثثنا : أسرعنا في سير سريع لا فتور فيه .
(۲) الكتبة من اللبن : القليل منه . (۳) أجاجير : جمع إجار وهو السطح.