Text

PDF

وحتى لا تصبح القيم الأخلاقية عرضة للتقلب والتبدل ، فإن الله تعالى قد جعل المجال مفتوحا لقدرات الإنسان فيما يخص الجوانب العلمية والتقنية ، بينما وضع الأسس والثوابت الأخلاقية حيث لا يمكن للإنسان أن يمارس تجربة الخطأ والصواب ، لأن هذه ستكون على حساب جهده وذاتيته ووقته ، لأن عملية النفي والإثبات هنا ليست سوى عملية سلبية ؛ إذ النفى فى عالم الأخلاق سيوقع الأمم والشعوب في فوضى لا حد لها ، وسيصيب الإنسان نفسه بمشاكل باطنية وقلق وتمزق داخلى يثبطانه عن المعنى فى طريق التطور والتحضر (۱) . وهذا لا يقلل من دور العقل في مجالاته ، وفي ظل هداية الوحى
مل الله النبي ، المثال :
علي
ويتبين لنا ، أن مصدر معرفتنا للأخلاق يأتى من طريق المنقول ؛ فكان صلى الله رسول الله كثير الضراعة والإبتهال ، دائم السؤال من الله تعالى أن يزينه بمحاسن الأخلاق ومكارمها فكان يقول : «اللَّهُمَّ حَسين خلقي وخلقى (٢). ويقول : اللَّهُمَّ) جَنِينِي مُنكَرَات الأخلاق)) (۳). فأنزل الله عليه القرآن وأدبه به فكان خلقه القرآن، فأدبه بقوله تعالى (خُذ العفو وأمر بالعُرف وأعْرِض عَن الجَاهِلِين﴾ [الأعراف:١٩٩] وقال له إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالعَدلِ والإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَن الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغْى [النحل: ٩٠] وقالَ وَاصْبِرٍ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور [لقمان:۱۷] وقال له وإدفع بالتي هِيَ أَحْسَنِ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَه عَدَاوة كَأَنه وَلي حَمِيم [فصلت :٣٤] وقال اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْض الظن إثْم ولا تجسسوا ولا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]. وأمثال هذه التأديبات في القرآن لا تُحصر ، وهو عليه الصلاة والسلام المقصود الأول بالتأديب والتهذيب ، ثم منه يشرق النور على كافة الخلق ؛ فإنه أُدِبَ بالقرآن وأُدِبَ الخلق به (٤) . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : «إنَّما بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق (0) .
(۱) تهافت العلمانية ، د. عماد الدين خليل ص۲۰
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤۰۳/۱ ، ٦ / ٦ ، (١٥٥) من طريق ابن مسعود . (۳) أخرجه الترمذي : كتاب الدعوات ، باب دعاء أم سلمة (٣٥٩١) وقال : حسن صحيح
+
(٤) إحياء علوم الدين ، الغوالي (۳۲۸/۲) (٥) أخرجه الإمام مالك فى الموطأ : كتاب حسن الخلق ، باب ما جاء في حسن الخلق
(٩٠٤/٢) من طريق أبي هريرة رضى اللعنة .
-10-