Text

PDF

مُقدمة تاريخية

يعود الاستيطان البشري لمنطقة الجوف إلى عصور موغلة في القدم. وتدل على ذلك الشواهد الأثر والمخطوطات القديمة. وعلى هذا فإن قصدنا من هذا الكتاب هو تتبع تاريخ المنطقة من العصور القديمة وحتى وقتنا هذا . وبالرغم من توفر العديد من المصادر التي نستند إليها إلا اننا نجد أحيانا بعض الثغرات في السجل التاريخي للمنطقة . ففي العهد الاشوري مثلاً أو في الفترة المبكرة من ظهور الاسلام فإن الباحث لا يعدم وجود الكثير من المعلومات المفصلة عن المنطقة . اما عن الفترة التي سبقت الاشوريين والفترة الممتدة منذ القرن السابع قبل الميلاد وإلى ظهور الاسلام فاننا لا نعرف إلا القليل جدا وذلك بسبب ندرة المصادر المدونة . وكذلك هو الحال في القرن الأول الهجري السابع الميلادي) . فبينما شهدت المنطقة ازدهارا كبيرا واحداثا هامة في السنوات الأولى التي تلت ظهور الاسلام ، إلا انها أصبحت فجأة لا تمثل مجالا لاهتمام المؤرخين الذين أصبحوا لا يشيرون إليها إلا بين حين وحين في إشارات عابرة . ثم أصبحت الجوف مرة أخرى مادة مهمة للمؤرخين والجغرافيين في القرن الثاني عشر للهجرة (الثامن عشر للميلاد) وعاد اهتمامهم بها كنتيجة لتوسع سلطة الدولة السعودية الأولى ويمكن للباحث التغلب على المصاعب التي تصادفه عند تدوين تاريخ منطقة الجوف من حيث وجود الثغرات والفجوات في التسلسل التاريخي إذا ما قام بدراسة الشواهد الأثرية وأماكن وجودها ، وهي لحسن الحظ كثيرة هنا . ففي الفترات التاريخية التي لم تترك لنا مصادر مدونة ، نجد انها خلفت مواقع اثرية لا زالت موجودة بحيث تعوض وتسد الفراغ . فهناك بعض المواقع التي استوطنت وتركت لنا أشكالاً من حجر الصوان التي استخدمها السكان في تلك الفترة الممتدة من العصر الباليوليثي إلى العصر النيوليثي . وتوجد في موقع أثري يُدعى الرجاجيل مجموعات من الأعمدة الحجرية التي تعود إلى العصر التشالكوليثي . أما في العصور التي سبقت ظهور الاسلام والتي كانت الجوف فيها شبه غائبة عن المسرح التاريخي ، فقد دلت الأبحاث الأثرية التي أجريت مؤخرا على وجود العديد من النقوش النبطية والخزفيات النبطية أيضا . وهذا يدل على وجود استيطان بشري عندما كان الأنباط يسيطرون على الأجزاء الشمالية الغربية من الجزيرة العربية ويحكمونها من عاصمتهم البتراء في الأردن . وإذا ما أخذنا في الاعتبار توفر المياه في المنطقة ، ووجود التربة الصالحة للزراعة فإنه يمكننا القول ان منطقة الجوف كانت منطقة مأهولة بالسكان خلال العصور القديمة الغابرة ، حيث كان السكان يمارسون التجارة مع عدد من المراكز التجارية الهامة التي انتشرت في شبه الجزيرة العربية ووصلت إلى باقي أجزاء الشرق الأدنى . وقد امتدت هذه الشبكة التجارية من جنوب غربي
1