الرسالة المحمدية - الثعالبي - ت الخرفي - ط ابن كثير

ـ

Text

PDF

حملته لتأديب هوازن
لما فتح مكة، وأطاعت له قبائل العرب، تنمرت هوازن وثقيف، ومشى أشراف الطائفتين بعضهم إلى بعض، وقد خافوا أن يغزوهم. وقالوا : إنا نراه قد فرغ لنا، فلا ناهية لا مانع له .دوننا والرأي أن نغزوه قبل أن يغزونا. فحشدوا وبغوا، وقالوا إن محمداً لقي قوماً لا يحسنون القتال. وقد كانوا من قبل مصرين على قتاله، فقد نقل عن أبي الزناد : أن هوازن أقامت سنة تجمع الجموع، وتسير رؤساءها في العرب، تجمعهم. فلما فتحت مكة، أجمعوا الأمر على قتاله وكانت مقاليدهم إلى مالك بن عوف بن سعد بن يرفوع بن وائلة بن در همان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوان ويقال له : النصري فاجتمع إليه من القبائل جموع كثيرة منهم بنو سعد بن بكر، وهم الذي كان رسول الله مسترضعاً فيهم، وفيهم دريد بن الصمة. وكان شجاعاً مجرباً، لكنه كبر، وقيل: إنه جاوز المئة، وقد عمي وصار لا ينتفع إلا برأيه، ومعرفته بالحرب. بالحرب...
6
وثقيف، وكان قائدهم كنانة بن عبد ياليل. وكان جملة من اجتمع ألفاً. وجعلوا أمر الجميع إلى مالك بن عوف النصري وكان عمره ثلاثين سنة . واشترطوا عليه أن يأخذ برأي دريد بن الصمة فأمرهم مالك أن يسوقوا : معهم مواشيهم وأموالهم ونساءهم وأبناءهم، كي يثبتوا عند الحرب، ولا يفروا . فلما نزلوا بأوطاس اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصمة . . فسأل دريد الناس بأي واد أنتم؟ فقالوا : بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل لا حزن ضرس، ولا سهل دهس (۱) ثم قال : مالي أسمع رغاء البغير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، وثغاء الشاء، وخوار البقر ؟ فأجيب : ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. فسأل دريد: أين مالك؟ وكان توافق معه على ألا يخالفه، فحضر بين يديه فقال له : إنك جنت تقاتل رجلاً
(۱) (الحزن) المرتفع من الأرض ضد السهل) و(الضرس) الحجارة ذات الأطراف الحادة، تعيق على السير والدهس): الأرض السهلة، لا هي رمل ولا تراب،
أي : إن الموقع أيسر وأثبت للرجل والخف والحافر، سلماً وحرباً المحقق.
01.