تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب - الإربلي - ط البشائر

محمد أمين الكردي الإربلي

Text

PDF

18
تنوير القلوب
منازلهم في التقوى والإقبال على الله تعالى لا يرفع أحدهم لديه كثرة ماله، ولا يضعه عنده رثاثة حاله . أخبرني بعضُ المريدين الصادقين أنه إذا لقي الشيخ ولم يكن مقصراً في أداء ورده رأى منه إقبالاً عظيماً على قدر ذلك الاجتهاد، وإذا لقيه وهو على العكس من ذلك، وجد إقباله عليه على قدر تلك النسبة .
،
،
وكان رضي الله عنه لا يسأم من تكرير المواعظ ولا ييئس من هداية غوي، كأن الإرشاد جبلةٌ فيه جبله الله عليها، وخُلُق لا يستطيع التحول عنه في رفق وتواضع، تعلوه
مهابة ووقار .
وكان رضي الله عنه قد زينه الله بجمال في صورته الظاهرة والباطنة، وألقى عليه محبّةً منه حتى لا يمل جلساؤه مجالسته وتوجه بجلال عظيم، فلا يستطيع رائيه إلا توقيره والاحتشام بين يديه. إذا تكلَّمَ ذاقَ السامع لكلامه حلاوة، ونفذت أنوار كلماته إلى صميم
قلبه، وإن كانت قليلة معتادة :
مر ونحن معه في سفرة على جماعة يلعبون بالنرد أو غيره - لا أتذكر الآن لعبتهم - فما زادهم على أن قال : أنتم تلعبون الميسر ! . فما رئي أحد منهم لاعباً بعدها .
وجاءه أحدُ المُنكرين على الطريق وأهله، فلم يلبث حين رآه وسمع شيئاً من موعظته أن صاح صياحَ الجذبة، وأحاطت به الأنوار حتى خرج عن اختياره وشعوره، ولم يرجع إلى نفسه إلا بعد زمن طويل وكان بعد من خيرة أتباعه

من
ومرّ مرةً على عرس فيه مُنكر، فتغيّر قلبه الشريف لذلك، وكان يشمئز قلبه المنكرات، فقال لمن معه من أهل البلد ألا تمنعون هذا ؟ فذكروا له من فجور صاحب العرس وفسقه، فدعا له بالهداية، فأصبح وقد جاءَه الرجلُ ليأخذ عنه الطريق، وما صلّى قبل ذلك قطُّ، فنظر إليه رضي الله عنه ، فإذا هو لا يتمالك نفسه من البكاء والصياح، وتاب
توبة صادقة .
وله رضي الله عنه في هذا الباب ما لا يستطاع إحصاؤه، ربما قدم القرية، فأخذ عنه في
مع
اليوم الأول الثلاثون أو أكثر، فعمل الختم، ففاضت الجذبة على جلهم أو كلهم، وكان ذلك رضي الله عنه يرى نفسه صغيراً ليس أهلاً لحال ولا ،مقام، ينسب ما أظهره الله على يده بيمن همته وبركة توجّهه من الكرامات إلى أتباعه فيقول: حصل كذا ببركة فلان، أو ببركة الإخوان وربما قال : هذه معونة وليست بكرامة .