تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب - الإربلي - ط البشائر

محمد أمين الكردي الإربلي

Text

PDF

12
تنوير القلوب
جالساً، والأنبياء يتوافدون عليه، يسمع تحيَّاتهم وما يتحدثون به، وهم ينتظرون تشريف سيد الوجود له ، وقال رضي الله تعالى عنه : إني لكذلك إذ سطع نور عظيم، تضاءلت له الأنوار الحاضرة على جلالتها ، وقيل : هذا سيد الوجود قد أقبل . فاستقبله الجمع بحفاوة عظمى، ولم يزالوا كذلك حتى جاء الفجرُ أو كاد قلت له رضي الله عنه : كيف رأيتهم في مجلسه عليه وعليهم الصلاة والسلام ؟ قال : كأشد المريدين الصادقين حياء وأدباً مع أجل شيخ لديهم وأعزّه عليهم . ثم رجع من سياحته تلك إلى شيخه، فقص عليه خبر ما رأى .
سفره رضي الله عنه من العراق إلى الحجاز :
،
،
ثم تاقت نفسه المباركة إلى حج بيت الله الحرام، وزيارة سيد الأنام ، فسافر يقطع القفار على قدم التجرّد والتوكل، مزوّداً من شيخه بالدعاء ومن ربه بحسن الاعتناء حتى وصل إلى البصرة، ومنها ركب الفلك، وسخّر الله له أهلها فلم يأخذوا منه أجراً، قال رضي الله عنه : ولم يكن معي زاد إلا الثقة بالله تعالى وكفى بها لمن أحسنها زاداً، وزال عن قلبي بفضل الله تعالى هم الرزق وخوف الخلق . قال : وشاهدت من بركة الثقة بالله تعالى وحسن التوكل عليه ما لا يخطر ببال رزقنا الله تعالى بجاهه رضي الله عنه حُسنَ الثقة به تعالى، وصدق التوكل عليه .
،
،
،
ومما وقع له أول ما ركب السفينة أن جاء رجلٌ لا يعرفه، ونزل السفينة، تفقد من فيها، حتى إذا رآه قال له : أنت فلان ؟ قال : نعم قال أرسل إليك محمد نور بهذا. مشيراً إلى حقيبتين عظيمتين معه فأبى قبولهما ،فانتهره ،وتركهما، ومضى، ففتحهما فإذا فيهما زاد وافر ، ونقود كثيرة، وثياب . ولم يكن يأكل في تلك الأثناء إلا قليلاً، ولما وصل إلى نحو الحجاز تصدّق بجميع ما معه من زادٍ وثياب ونقد ونزل متجرّد الظاهر والباطن من كل ما سوى الله تعالى، ولسان حاله يقول :
،
وحمل الزَّادِ أقبح كل شيء إذا كان القدوم على كريم عازماً أن لا ينام بالليل ولا يفطر بالنهار، ولا يكلّم أحداً من الأغيار، وأن يعمر الأوقات كلها بالمراقبة والأذكار ما دام بمكة حرسها الله تعالى، وقد أقام بها سنة كاملة موفياً لربه بما عزم عليه، ولقد سمعت من لفظه رضي الله عنه أنه مكث عدة أيام لا يذوق ذواقاً إلا ماء زمزم، يُفطر به، ويتسحر عليه، ثم سخّر الله له في اليوم الثاني رجلاً يدعوه إلى النزول عنده، ويلح عليه في ذلك، فلم يردَّ عليه بشيء، فجعل يتردد عليه، ويأتي