Text

PDF

وأهل بيته ومما كان بحمد الله ولا يزال لهذا المعهد الديني من سمعة عالية داوية في البلاد ؛ وفي العالم الإسلامي قاطبة ؛ جعلت التونسيين عامة يتعلقون به أعظم تعلق ؛ ويقدسونه أكبر تقديس .
ومما يؤيد أن نفسية مترجمنا كانت هي هذه ؛ أنه رحمه الله علل في مناسبات عارضة ؛ لما بلغ مبلغ التحصيل الذي مكنه من الانتساب للتدريس ؛ مسلكه هذا؛ بأنه إنما فعل ما فعل يومئذ ؛ لأنه كان ولا يزال يعتقد أن النجاح في تحصيل العلم؛ لا يكون تاماً نافعاً إلا إذا بنيت الدراسة الأولى على
أساس صالح متين. وكما كان رحمه الله في دور تعليمه الأول ؛ أقبل على الدراسة الزيتونية بجد واجتهاد وصبر . ولازمه ذلك في مراحل هذه الدراسة، ولم يعرف عنه أنه اهتم بغير الدرس والعلم، مما كان يهتم به لذاته ويدفع إليه طور الشباب؛ من مباهج الحياة. واستمر في دراسته على هذا السير، حتى اجتاز امتحان سنة 1331 هجرية الموافقة سنة 1912 ميلادية ؛ فأحرز قصب السبق
التطويع بنجاح .
وكان هذا الفوز فاتحة دور جديد من حياته، فإنه ما كادت النظارة العلمية تأذن له بالانتساب للتدريس حتى تفرغ له كل التفرغ؛ وباشر تدريس كتب المرتبة الابتدائية؛ مع استمراره على مزاولة التعليم العالي حسب النظام القائم يومئذٍ. وقسم نهاره كله بين التعليم والتعلم، حتى كان في بعض الأحيان يقرىء ستة دروس في اليوم، ويختلف إلى ستة أيضاً من دروس شيوخه . ثم يقضي ليله كله تقريباً في المطالعة لإعداد دروس
الغد،
وفي معاونة الطلبة الذين يجاورونه في المدرسة على إعداد دروسهم . وهكذا كانت حالته اليومية لا تتغير ولا تتبدل ؛ إرهاق متواصل في سبيل العلم كان يجده لذيذاً على نفسه محبباً إليها؛ لا يعدل عنه إلى ما يعد ترويحاً على النفس عند غيره حتى كان مما أضر بصحته فيما بعد. واستمر هكذا لا يفارق المدرسة إلا إلى الجامع الأعظم، ولا يفارقه إلا إليها. وحين توفي
7