Text

PDF

المعرفة الفطرية
أذكر يوما أديت فيه أعمالي، وعدت إلى منزلى في الظهيرة، فأحضر لي غدائي ، فلم أستسخ منه إلا قليلا مع حسن أنواعه وتعدد ألوانه ، ثم أخذت في مقبلى ولكني لم أذق طعم السكرى لحظة ، وكان اليوم صائفا شديد الحر، فخرجت من المنزل أيم بعض الحدائق الكبرى، وكنت منقبض النفس أكره أن أرى البعيد والقريب والعدو والحبيب ، لم يكن كل ذلك عن تعب فى الصحة ولا شكاية فاقة أو مسغبة، قد يكون من الحر ، وقد يكون من عدم وفاء من لاقيت من الناس ، وتشعب آرائهم وكثرة لغطهم ، وزيادة نهشهم لأعراض غيرهم ، وقد يكون من غير ذلك ، ولكنى كنت أحس فى صدرى ضيقا ، يملك على أنفاسى حتى ضاقت بي الدنيا على سعتها ، وما زلت كذلك حتى وصلت إلى الحديقة ، واتخذت منها مكانه قصيا بعيدا عن أعين الناس لا أسمع فيه همس الآدميين ، جلست أسمع تغريد بعض الطيور وأتأمل جليل صنع الخالق ، فإذا بي أستبدل بالضيق انشراحا، وبالقلق راحة واطئنانا، فقلت ما أجمل حياة العزلة في جو الطبيعة الصافى من أدران الخلق ، لقد سرى عنى بالبعد عنهم، وقات لنفسي : لم كم أمْلكك وقت الضيق فأجعلك ممتلئة سعة وإيناسا ، لقد حاولت كثيرا فلم أستطع ولو اشتد على ضيق مثل هذا يوما من الأيام نصرت إلى الموت ، وقلت لنفسى أمن ضيق لا تعلم مصدره تموت ؟ وهل تضيق بنفسك أم تضيق بالعالم ، أم العالم يضيق بك فينأى عنك ؟ وهلا يكفيك من العالم هذه الشهوات فتتمتع بها كيف شئت ، وتنغمس معنا أهلها فتأنس وتلهو ما طاب لك الهوى فلا تشعر بالضيق ؟ و لم لا يتسع صدرك لهذا العالم وما فيه من متع ولذات ؟ وعدت أقول أو لا يعتريني الضيق بعد ذلك ؟ وما يدريني لعله لو جاء بغتة
وحل بقلبي لا يصرفه أحد من الناس ولا تحوله عن صدرى تلك الملذات ؟ لا يمكنني أن أدفعه إذا جثم على صدرى فأخذ على أنفاسي ، وغير إحساسي، وأحال طعم الحلو ملحا أجاجا، وأرانى النور ظلاما حالكا ، وجعل الحبيب عدوا مبينا . وهل لا يعتريني الغم ولا تنزل بي النوازل ؟ محال هذا ، فكم وجدت حبيبا طواه الموت ولا يزال يتخطف الناس واحدا واحدا ، وكم