Text

PDF

۲۲
البرهان القاطع في إثبات الصانع
بين العرب العرباء أربعين سنة لا يتعلم في ساعة من السحر ما لا يستطيع
الإتيان بقريب منه كراسي علماء السحرة وأناسي عيونهم المهرة. وأما أنه لا يعرف السحر من قبيل قراءة الكتب، فلأنه كان أمياً لا يقرأ
ولا يكتب، وذلك متواتر، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُوا
صلے
مِن قَبْلِهِ مِن كِتَبٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذَا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * [العنكبوت: ٤٨] وقوله تعالى: ﴿ قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَنكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [يونس:
[١٦
صلے
وقد حكى الله إقرار الكفار بذلك في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ ) :[الفرقان: ٥] فقالوا: اكتتبها، و لم يقولوا: كتبها، وأشاروا إلى أنه لا يقرأ بقولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿ فَهِيَ تُمْلَى ﴾ [الفرقان: ٥] عليه ولم يقولوا: فهو يمليها.
وجه آخر وهو أن القرآن ليس من جنس السحر، وذلك لأن الإعجاز فيه، إنما هو في حسن ترتيبه وإحكام ،ترصيفه ومطابقة أفانينه للطيف حالتي القبض والبسط، وموافقة أساليبه لرقيق شأني القطع والربط، فوعيده يبكي العيون وتستحلب به الشئون وتقشعر له الجلود ويقطع نياط القلوب بما فيه من ذكر الخلود ووعده يثير النشاط ويبعث الانبساط وأقاصيصه تسلي المحزون وتهدي إلى القلوب غرائب العلوم مما كان ومما يكون، فكيف يكون ما هذه صفاته إلا كلام قادر عالم؟! ؛ لأنه أمر محكم وإحكام معجب والسحر إنما هو أثر طبع أو تعمية أو خفة أيد، فالطبع لا يؤثر في الأمور المحكمات، وإلا لجاز إسناد حدوث أحكام الإنسان إلى الطبائع، والشك في ثبوت المحكم الصانع والتعمية والخفة لا يؤثران في الأشياء الدائمات، وإلا لجوزنا في جميع أشعار العرب العرباء، المتأخرين والقدماء، وجميع رسائل العلماء، وخطب الخطباء وملح الفصحاء ونوادر البلغاء أنها تعمية وخفة أيد، وتزوير، وأثر طبع، أقصى ما في الباب أن نعلم أن أكثرها ليس من هذا القبيل فلا تحصل في