حوارات الدكتور عبدالوهاب المسيري الثقافة والمنهج والعلمانية والحداثة والعولمة 01-04

حرفي_سوزان

نص الكتاب

الكتاب المُصوّر

٢٥١
١- المنهـ
أعلنت
وجدت أن تحوير ناجي لبودلير" و "فشله في فهم الشاعر الفرنسي بسبب تراثه الفكري والأدبي أهم من تلك اللحظات التي تأثر به فيها بشكل مباشر. أي إنني وجدت كثيراً من القرائن الموضوعية الملموسة على تأثر ناجي ببودلير، ولكنني أن التوقف عند هذا المستوى التحليلي فيه تسطيح واختزال للقضية، وأنه لابد من التوصل إلى مستوى أعمق عن طريق التحليل والتفكيك والتركيب وأخذ مقدرة الشاعر التوليدية في الحسبان والتعامل مع الوجدان والتراث واللغة بتقدير أنها عناصر مركبة لا يمكن للأديب المتأثر إدراك أعمال الأديب المؤثر إلا من خلالها، ولذا فهو " يشوه" و "يحور" حسبما يمليه حدود وجدانه وإدراكه ورؤيته ولغته أي إنني منذ البداية أعلنت أن علاقة الأديب المؤثر بالأديب المتأثر، شأنها شأن علاقة العقل بالواقع المادي ليست مباشرة ولا بسيطة، وأن تطبيق النماذج المادية الاختزالية المستقاة من العلوم الطبيعية على الظواهر الإنسانية أثر) أديب على آخر أمر سهل لا يأتي بالمعرفة ولا بالحكمة وينتهي بالباحث إلى أن يكرر نفسه، وأن يسقط في التعميمات المجردة التي لا تقول شيئاً، والتي تسقط خصوصية الظواهر ومنحنياتها الخاصة، وأن يراكم المعلومات المادية الصلبة التي لا تثير أي قضية ولا تحل أي إشكالية، لأنها لم تصل إلى أي أعماق واكتفت بملامسة السطح. وقد تكرر الشيء نفسه في رسالتي للدكتوراه التي بدأت كرسالة تقليدية في دراسة أثر شاعر إنجليزي على شاعر أمريكي، ولكنها انتهت بتأكيد تفاهة الأثر وعمق الاختلاف الناجم عن اختلاف الوجدان والرؤية.
س: مفهومك لقضية التأثير والتأثر مختلفة إلى حد كبير عن الفكرة السائدة؟ وكأنك هنا تقيم ما وراء ظاهر النص، فتتجاوز سطحه
المباشر وتفاصيله العديدة وصولاً إلى رؤية الكاتب الحاكمة؟
ج: أتفق معك تماماً فيما تقولين، ولكن دعيني في البداية أذكر بعض التجارب الشخصية على علاقة وثيقة بقضية التأثير والتأثر ؛ تعرفت عام ١٩٨٠ على شاب فلسطيني يسمى حسن خضر واكتشفت أن معظم أفكاري بخصوص الصهيونية والتي تبتعد كثيراً عن المألوف والسائد والتي لم أصل لها إلا بعد جهد جهيد وبعد عمليات قراءة وتحصيل استمرت عشرات السنين هو ذاته كان قد توصل لها. في بداية