الجواهر في تفسير القرآن الكريم - الجوهري - ط العلمية 1-26

طنطاوى جوهري المصري

نص الكتاب

الكتاب المُصوّر

سورة النمل
۲۷۷
للإصلاح لا للفساد في الأرض . هكذا فلتكن أعمال الناس . هذا ما تذكرت عند نظر هذه الأوراق
المرسومات ، والحمد لله رب العالمين .
سعادة مؤلف التفسير وسعادة قرائه
هذه هي السعادة التي كنت أنشدها بين الحقول والأشجار وعلى شواطئ الأنهار وأنا شاب وفتي . كنت أنشد الحقيقة والحقيقة هي نفس السعادة، ما هي الحقيقة التي كنت أنشدها ؟ كنت أريد أن أعرف ما وصل إليه عقل الإنسان في معرفة هذا الوجود . فها أنا ذا اليوم أعلن أن ورقة السنط وورقة البازلاء وورقة الورد وآلافاً أمثالها في الأرض والسماء قد أعطت نفسي الإيمان الذي أيقنه أفلاطون وأرسطاطاليس وقبلهما سقراط من أمة اليونان والإيقان الذي أيقنه مؤلف كتاب الفيدا بالهند . والإيقان الذي أيقنه « كانت » الألماني و « سبنسر » الإنجليزي ومئات غيرهم . هاهم أولاء كلهم قد وصلوا إلى نقطة واحدة هي ما ذكرته الآن في هذه الوريقات . أيقن أفلاطون . بماذا أيقن ؟ أيقن بمبدع للعالم لأجل هذا النظام، وبعده « أرسطاطاليس » وقبله « سقراط » ، وتغلغل مذهب « أفلاطون في عقول المفكرين من أمم النصارى والمتصوفين من أمم الإسلام وفي أمم غيرهم، وتقابل هذا المذهب مع مذهب الفيدا في الهند ومع آراء أمم أوروبا الحالية ، أي : العقول الراقية هناك ومع وحي جميع الأنبياء. إذن أنا الآن أعلن أني اكتب متفقاً مع أكبر العقول في الأمم قديماً وحديثاً، ولهذا الإجمال تفصيل في رسالتي المسماة « مرآة الفلسفة » وسأكتبها في هذا التفسير إن شاء الله تعالى . اهـ . هاهنا نرجع للتفسير اللفظي ، يقول الله تعالى : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعِذَا كُنَّا تُرَابًا وَءَابَآؤُنَا
أَبِنَّا لَمُخْرَجُونَ ﴾ [النمل: ٦٧] الخ ، هاهنا ذكر الله أقوال الكفار والرد عليهم في أمر الآخرة . (1) يقول الكافرون : كيف نخرج نحن وآباؤنا بعد أن أصبحت أجسادنا تراباً؟ وكيف يصير
التراب أجساداً ؟ .
(۲) إن هذه المواعيد قد سمعها آباؤنا من قبلنا ، وما هي إلا أحاديث الأقدمين يتحدثون بها في
سمرهم ومحاوراتهم ، وليس لها حقيقة .
(۳) أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالنظر في الأمم التي كذبت ، فلقد كذبوا فلما
كذبوا أهلكوا .
(٤) ذكر الله أنهم يستبطئون العذاب الذي وعدهم به ، ذلك أنه أمرهم بالاعتبار بالأمم السالفة فكأنهم قالوا : وأين العذاب الواقع بنا كما وقع بهم ؟ فأجاب قائلاً: عسى أن يكون تبعكم ولحقكم بعض ما تستعجلون منه كيوم بدر ، وكالمصائب التي تحل بالناس في أموالهم وأولادهم وفي مدنهم وفي منازلهم ، كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا ﴾ [التوبة : ٥٥] . والعذاب على قدر الإحساس، وما دام الإنسان غافلاً يظن أن هذه الحياة هي كل شيء ، فليعلم أنه يعذب بكل حادث حل به لتعلقه بهذا العالم وارتباطه به ، فبقدر الارتباط يكون العذاب، فيحزن لفقد المال والولد ولكل طارئ يطرأ لغفلته ، فهذا هو قوله تعالى : ﴿ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [النمل: ٧٢] .
(٦) ذكر أن الله ذو فضل على الناس ، فإنه غمرهم في النعمة وهم لا يشكرونها .