روح المعاني - الألوسي - ط دار إحياء التراث العربي 1-30

الألوسي

نص الكتاب

الكتاب المُصوّر

تفسير قوله تعالى: (أم تابشو نه بمالا يعلم في الأرض) الخ
١٦١
إثر تبكيت أى سموهم من هم وماذا أسماؤهم ؟ وفى البحر أن المعنى أنهم ليسوا ممن يذكر ويسمى انما يذكر ويسمى من ينفع ويضر ، وهذا مثل أن يذكر لك أن شخصاً يوقر و يعظم وهو عندك لا يستحق ذلك فتقول لذاكره : سمه حتى أبين لك زيفه وانه بمعزل عن استحقاق ذلك ، وقريب منه ماقيل : إن ذلك انما يقال في الشيء المستحقر الذي يبلغ فى الحقارة الى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم فيقال سمه على معنى أنه أخس من أن يذكر و يسمى ولكن ان شئت أن تضع له اسما فافعل فكأنه قيل : سموهم بالآلهة على التهديد، والمعنى سواء سميتموهم بذلك أم لم تسموهم به فانهم فى الحقارة بحيث لا يستحقون أن يلتفت اليهم عاقل ، وقيل : إن التهديد هنا نظير التهديد لمن نهى عن شرب الخمر ثم قيل له : سم الخمر بعد هذا وهو خلاف الظاهر ، وقيل : المعنى اذكروا صفاتهم وانظروا هل فيها ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة (أم تنبونه ) أى بل أتخبرون الله تعالى ( بما لا يعلم في الأرض ) أى بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم سبحانه وتعالى ، والمراد نفيها بنفى لازمها على طريق الكناية لأنه سبحانه اذا كان لا يعلها وهو الذى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء فهى لاحقيقة لها أصلا ، وتخصيص الارض بالذكر لأن المشركين انما زعموا أنه سبحانه له شركاء فيها ، والضمير المستقر فى ( يعلم ) على هذا التفسير الله تعالى والعائد على (ما) محذوف كما أشرنا الى ذلك وجوز أن يكون العائد ضمير (يعلم) والمعنى اتذون الله تعالى بشركة الاصنام التي لا تتصف بعلم البتة ، وذكر نفى العلم في الارض لأن الارض مقر الاصنام فاذا انتفى عليها في المقر التي هي فيه فانتفاؤه في السموات العلى أحرى ، وقرأ الحسن ( أتنبئونه ) بالتخفيف من الانباء ) أم بظاهر من القول ) أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير معنى متحقق في نفس الامركة سمية الزنجى نافورا كقوله تعالى : (ذلك قولهم بأفواههم) وروى عن الضحاك . وقتادة أن الظاهر من القول الباطل منه، وأنشدوا من ذلك قوله :
أعيرتنا البانها ولحومها وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر
ويطلق الظاهر على الزائل كما في قوله : وعيرها الواشون أنى أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
ومن أراد ذلك هذا فقد تكلف ، وعن الجبائى أن المراد من ظاهر من القول ـ ظاهر كتاب أنزله الله تعالى و سمی به الاصنام آلهة حقة ، وحاصل الآية نفى الدليل العقلي والدليل السمعي على حقية عبادتها واتخاذها آلهة. وجوز أن تكون ( أم ) متصلة والانقطاع هو الظاهر ، ولا يخفى ما فى الآية من الاحتجاج والاساليب العجيبة ما ينادى بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر ما نص على ذلك الزمخشري ، وبين ذلك صاحب الكشف بأنه لما كان قوله تعالى : ( أفمن هو قائم ) كافيا في هدم قاعدة الاشراك للتنوع السابق والتحقق بالوصف اللاحق مع ما ضمن من زيادات النكت وكان ابطالا من طرف الحق وذيل بابطاله من طرف النقيض على معنى وليتهم إذ اشركوا بمن لا يجوز أن يشرك به اشركوا من يتوهم فيه ادنى توهم وروعي فيه أنه لا أسماء للشركاء فضلا عن المسمى على الكناية الايمائية ثم بولغ فيه بأنه لا يستأهل السؤال عن حالها بظهور فسادها وسلك فيه مسلك الكناية التلويحيه من نفى العلم بنفى المعلوم ثم منه بعدم الاستهال ، والهمزة المضمنة فيها تدل على التوبيخ وتقرير (م) - ۲۱ - ج -۱۳- تفسير روح المعانی)