کتاب کا متن

تصویری کتاب

الفصل الأول
الوحدة والتنوع في الشرق الأدنى القديم
وتأثيرات البيئة في حياة أهله
امتدت معالم المدنية في شرقنا الأدنى القديم امتدادا عميقا واسعا ، على الرغم من ضخامة صحراواته ، فانتشرت مواطن العمران فيه خلال عصوره التاريخية الزاهرة من حدود الأناضول شمالا حتى سواحل المحيط الهندى جنوبا ، ومن شمال أفريقيا غربا حتى الخليج العربي شرقا . وسبقت التطورات الحضارية الأولى فى هذا الشرق بدايات الحضارة في بقية بقاع العالم المسكونة التي عاصرته منذ فجر تاريخه ، أى منذ أواخر الألف السادس ق . م فصاعدا ، ومنذ تمايزت بين حضاراته العتيدة الأولى حضارتان أصيلتان توافر لهما أثر عميق على أغلب ما تعاقب بعدهما من حضارات ، ونعنى بهما حضارة مصر وحضارة العراق ، اللتين بدأ فيهما الانقلاب الحضرى الرئيسى الثانى فى الحياة المادية للإنسان القديم ، ألا وهو معرفة الزراعة بعد معرفة النار ، كما بدأ فيهما التطور المعنوى الأول للشعوب القديمة وهو معرفة الكتابة . ثم ظهرت في الشرق بعد نضج ثقافاته تشريعات وضعية متكاملة وعقائد أخروية واعية ، وأشرقت فيه ديانات سماوية كانت ولا تزال هدى للعالمين القديم والحديث . وظلت آثار مدنياته المادية أوفر عددا وأعظم ضخامة مما عداها من آثار بقية المدنيات القديمة، كما بقيت تطوراته أوسع وأوضح من تطوراتها حتى أواسط الألف الأول قبل ميلاد المسيح وحين أدت ظروفه وظروفها إلى انتقال أزمة الحضارة من بلاده إلى أمة الفرس فى شرقه وإلى بلاد الإغريق ومن تلاهم في شماله الغربي . وإن لم يحرمه هذا من أن يظل بموقعه الجغرافى واسطة العقد فى اتصال أطراف القارات الثلاث القديمة، ورمزا دائما للأصالة ، برغم كل ما تعاقب عليه من نكبات وشدائد .
وربطت بين مواطن العمران في شرقنا القديم عدة روابط طبيعية وجنسية وحيوية لا تزال لها آثارها المحسوسة حتى الآن. فظلت العوامل المناخية التي سادت عصوره التاريخية متشابهة المظاهر ومتشابهة النتائج والتأثير في حياة أهله إلى حد واضح ، وكانت ولا تزال تميل إلى الجفاف في معظم أحوالها كما هو معروف ، فيما خلا مناطق قليلة اتصفت بمناخها الخاص على سواحل البحر المتوسط، وإلى حد ما على سواحل البحر الأحمر والمحيط الهندى . وظلت معابر الشرق البرية ومخارجه الطبيعية التي استخدمها أهله فى تنقلاتهم واتصالاتهم القديمة مفتوحة مطروقة في غالب الأحيان إلا حيثما تطلبت المصالح الإقليمية زيادة تحصيناتها وتشديد الرقابة عليها في فترات الغزوات الخارجية والهجرات العنيفة ؛ وبهذا ظلت أغلب الجماعات ذات الأثر في عمرانه وتحضره من السلالات السامية الحامية ، وهى سلالات تحدرت فى بداية نشأتها من عائلة جنسية واحدة