Text

PDF

الباب الأول
الام
الثقافة الأدبية ونقاد الأدب
الأدب والحياة الإنسانية
يتم الشاب الغربي دراسته في دور العلم ، ثم يخرج إلى الحياة يمارس فيها عمله الذي أعد له ، صانعا أو تاجرا ، مهندسا أو مدرسا أو طبيا ، كاتبا على الآلة الكاتبة أو بائعا في متجر أو من رجال الإدارة ، وقد أحسن تدريبه على المهنة التي اختارها فضمن أن يكون عضوا نافعا في مجتمعه . ولكنه يخرج ومعه شيء أتمن من هذا كله ، معه قدر لا بأس به من أدب أمته تعلمه قبل أن ينقطع إلى تلقن أصول مهنته الخاصة .
يخرج هذا الشاب فيواجه حياة العمل بصعوباتها المتعددة ، فيسعفه إعداده الدراسي بالمفاتيح والحلول . نكنه يواجه أيضا حياة أصعب من هذه جدا ، يواجه الحياة الإنسانية ، فتتلقفه هذه بأعاصيرها ، وتجابهه بعقدها ومشاكلها ، فلا يجد لها الحلول والمفاتيح فيما درس من صناعة أو تجارة أو إدارة ، وإنما يجدها فيما درس من الأدب . والأدب هو الثمرة العليا لتجارب الحياة الإنسانية
كان هذا الشاب داخل جدران مدارسه معزولا مصونا ، قد حماه مجتمعه في فترة دراسته حتى يفرغ لاستيعاب دروسه والتدرب على حرفته . ولكنه الآن يبرز للحياة الحقة ، فتبدأ مشاكلها تواجهه . يبحث عن عمل ، ويفصل من عمل ، ويقرظ جهده وينتقد ، ويرقى وتخطئه الترقية . يجوع ويشبع ، ويصح ويمرض ، ويحب و يخيب في حبه أو يتحقق أمله تلح عليه حاجات جسمه فيرضيها أو يعجز . ويحاول أن يهتدى بهدى عقله فينجح حينا و يخفق أحيانا . يصادق ويعادي ، و يصادق ويعادي . يلاقي عنت الطبيعة وحرها و بردها وثلوجها وصحراءها وجبالها . يتغرب عن بلاده وأبويه وأهله ، أو يقيم فيهجره الأقارب