أبوفراس الحمداني شاعر الوجدانية والبطولة والفروسية - الحر

عبد المجيد الحر

نص الكتاب

الكتاب المُصوّر

إنسان كسائر الناس، قبل أن يكون شاعراً. وهو كإنسان يمر في متقلبات من الظروف المتباينة الحالات. فقد يكون في موقع يشعره بالصلابة والجلد، فيبدو قوياً متماسكاً، وقد تأتيه حالات تضغط عليه فتحيطه بواقع ضعيف. وهذا المتجني على الشاعر في غزله المتفاوت بين الضعف والقوة؛ ألم يخطر بباله أن شاعرنا كسائر الشعراء حين يحفُ به الشوق فيملك الحبيب ناصيته ويزعزع تماسكه فيضعف. ونراه هو هو المترفع الأبي العنفوان، تشدُّ به أمارته، إلى عل، وتمنعه من الانحناء أمام أي حبّ مهما ملك عليه شغاف نفسه. وما ذلك، إلا أنه في موقف يشدّه إلى رجولته ويمنعه من الانكفاء عن الذات الأصيلة
الجذور.
،
،

وبما أننا نتناول عزل أبي فراس بالمطلق؛ فهذا لا يمنعنا من تناوله بحالات خاصة كهذه التي نحن بصددها والتي تختلف فيها عاطفته باختلاف الظروف المحيطة به. فإذا كان الظرف يتطلب اللذاذة والاستمراء العاطفي، وليس في جوانبه ما يشيب وينقص من المواقف القتالية العسكرية، أو ما يماثلها، بدا لنا شاعرنا، في شفافية تنبسط وترق لسيطرة الحب ،وسطوته تترقق من مشاعره، حتى تبلغ موطن العاطفة الشاعرية المنسابة في لين محموم مؤثر، فيصدر من ملكة قصائده، شعر يبدو لك في نظمه وكأنه أصبح ملكاً للمرأة، تجره بعشق ووله، كما يجر المالك مملوكه. وهذا الأمر يصبح على طرفي نقيض، حين تملك عليه رجولته كل حواسه؟ عندئذ يظهر لنا بعنفوانه الحمداني، الذي يأبى عليه الضعف أو التخاذل مهما غلا به العشق أو شدّه الحب بجاذبية العاطفة (۱) .
وغزل أبي الفارس يتفاوت بين التقليد والتجديد فمرّةً تلمح أبياتاً غزلية كمطلع لقصيدة كما هي الحال في قصائد العصر الجاهلي، وهيكليته الموروثة. ومرّةً أخرى نراه في قصائد غزليّة مستقلة مأخوذة من واقع التجديد الحاصل في العصر العباسي. وغرض أبي فراس في الغزل يتبع التوسط الكامن في قول. الحسن المحبوب. فلا هو إبداع يرقى إلى القمة ولا هو إسغاف يهوي إلى مداوك الانحطاط. أما معانيه فنضعها في موضع المتعارف عليه عند سائر الشعراء. أخذ عنهم وقلدهم في كل ما تناولوه من وصف للعيون والخدود والقدود والأرداف ؛ كما قلدهم في وضع الغزل المسبوك على شكل قصة مشوقة،
،
(1) المارديني: زهير - شاعر أمارة بني حمدان (١٩٧٥) ص: ٣٥.
۷۲