نص الكتاب

الكتاب المُصوّر

|
عودة إلى منطق القرن التاسع عشر، وأن هذا المنطق بدأ يتأرجح عندما جاء فلوبير وبعد مئة سنة من فلوبير صار هذا المنهج مجرد ذكرى (۱) وقد سبق القول بأن بعض النقاد يرى أن هناك علاقة بين الديكتاتورية وهذا الراوى، وأن هناك علاقة بين الديمقراطية وغيابه أو استتاره(۲)
عليه
.
ولكي نلمس دور هذا الراوى الظاهر المسيطر ونراه فى صورة جلية ونكشف النقاب عن أشكاله المتعددة، نتوقف عند الجزء التالى من قصة الغشيم والحريم، لطه وادى، في مجموعته القصصية العشق والعطش» ۱۹۹۳ والذى يقول فيه عن عيسوى «الغشيم» : مشى وراء الحمار لايدرى أيهما أسعد حالا هو أو الحمار، ولا يعرف ماذا يمكن أن يكون الفرق بينه وبين الحمار ؟ الحمار يحمل كل شيء ويسمع كل ما يقال، كذلك هو لا يعرف لسانه كلمة «لا» أو كلمة «نعم» فهو يسمع، ويحاول أن يفهم، وفى الغالب لا يتعب نفسه فى أى كلام يقال إنه يعمل ما يقدر عليه، وما يقدر دائما - يقع في إطار عمل الحمير. أذهب إلى الغيط ياولد يا عيسوى. . علق الساقية. . نظف الزريبة . . احرس القطن.. ثم فى جرن القمح. . إلى غير ذلك من أوامر عمه إبراهيم أبو حسين كان الوقت عصراً، ونسمات الخريف الهادئة تداعب طرقات القرية الحزينة. تذكر عيسوى - مع أنه هو نفسه يعرف جيداً أن مخه مثل غربال قديم - أنه يفترق عن الحمار في أمر مهم جدا لا يتنازل عنه حتى لو خربت الدنيا، بل حتى لو لم يكن فى جيب عمه مليم واحد لابد أن يدخن كل ليلة ثلاث سجائر بلمونت ويشرب كوبا من الشاى المضبوط - فى فترة ما بعد العشاء، وتلك عادة، أو كما يقول عمه داء لا يتنازل عنه مطلقا، ولا يأخذ منه أي إنسان حقا أو باطلاً إلا إذا صلح مزاجه بممارسة هذه العادة اللعينة كان هو والحمار عائدين من الحقل، الحمار يحمل حملاً من الحشائش الخضراء، وعيسوى يمشى خلفه يضع عصا من التوت على كتفه يمسك بها من الطرفين واليد اليسرى من خلف واليمنى من أمام، يلبس قميصا وسروالاً من قماش الدمور اتسخ لونها من كثرة العمل، وتمزقت أجزاء أخرى من طول الاستعمال الحمار هو الكائن الوحيد الذى يقضى معه معظم أوقات حياته، وهو الوجيد - أيضا - الذي يملك حق السيطرة عليه، وأصدار الأوامر إليه، صارت (1) أشار إلى هذا الرأى آلان» روب حريسه» فى كتابه «نحو رواية جديدة عند حديثه عن الفرق بين السرد الروائي والسرد السينمائى. ترجمة مصطفى إبراهيم ط دار المعارف، ص ٢٨ : ص ٤٠ . (۲) يمنى العيد : الراوى الموقع والشكل، ص۱۷۷.
A.