تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب - الإربلي - ط البشائر

محمد أمين الكردي الإربلي

نص الكتاب

الكتاب المُصوّر

ترجمة المؤلف
رضي
،

13
بالكردي ،والتركي والفارسي، يُكلّمُه كلٌّ ،بلغته، حتى إذا طال به الإلحاح قال له المكي في اليوم الخامس أو السادس قد فهمتُ أنك رجلٌ درويش لا تُريدُ مُخالطة الناس، ولا مكالمة أحد، فكن على ما أردت ولا أُكلفك الخروج عما اشترطت لنفسك، فتكرم علي واتبعني عند الإفطار؛ لتعرف منزلي وهو منزلك تتناول فيه ما أحببت. فأشار الله عنه إليه بالقبول ولما صلّوا المغرب ذهبوا إلى ذلك المنزل، وقال الرجل لأهله هذا أخي، وكان غائباً، فأحضروا له الطعام في هذا الموعد من كل ليلة ولا تكلموه ؛ فإنَّ له حالاً أخرى، وكان يختلف إلى هذا المنزل يتناول منه حاجته، وكان إنما يأكلُ العلقة من الطعام، قال رضي الله تعالى عنه : وكان يعجبني لديه الماء البارد، وكان يأتيني بالأطعمة الشهية الكثيرة فلا تتوجّه نفسي إلى شيء منها، بل كثيراً ما كنت أكتفي بقليل من التمر، وشيء من الماء، وربما أرسل إليَّ خادمه بالطعام إذا لم أحضر ، فأشير إلى الخادم بوضعه فإذا انصرف، تصدّقتُ به كلَّه أو جله على أهل الحاجة من الغرباء، وكنتَ لا تراه هذه السنة كلها إلا في طوافٍ أو صلاة أو جلسة مراقبة، وأخبرني أنَّه اعتمر في رمضان هذا العام بضعاً وثلاثين عمرةً .
6
قال : ولم أكن أبالي بشيء في طلب الحقِّ، الصعبُ في ذلك صار بفضل الله سهلاً. نظر إليه رجل وهو قاعد يذكر الله بقلبه، فظنّه نائماً، فأخذ قلنسوته من على رأسه، وسرق آخر نعلَهُ، قال رضي الله عنه : فبقيتُ حافياً، مكشوف الرأس، وأنا فرح قرير العين بما يفيض ربّي على سرّي وعوالمي من مواهبه المتواترة، وغيث كرمه المدرار .
سألته : : كيف كانت حاله في تلك المدة ؟ فقال رضي الله عنه : كلُّ ما ذكره صاحب الفتوحات من المقامات والمنازلات والمواجيد وقع لي، وما اعتراني بحمد الله شيءٌ من الغرور، ولا توجّهت نفسي إلى طلب شيء سوى الحق عز وجل .
C
ولما قضى نُسكه انبعث إلى زيارة النبي الأكرم الله ، وكان ذلك عام ثلاث مئة وألف من هجرة من له العز والشرف لا لا لا اله ، فأقام في المدينة سنوات، وقال رضي الله عنه : تمتَّعتُ فيها بالنور الشريف النبوي، وكانت الأحوال على طرز آخر ، وكثيراً ما بتُ بأحدٍ والبقيع. وجعل يرجع إلى الصحو قليلاً، وبينما هو يمشي ذات يوم في المسجد النبوي، إذ ناداه رجل باسمه، فلم يلتفت فلمّا حاذاه جذبه إليه، وأجلسه وقال : ألست فلاناً ؟ فتنكّر منه، فتبسم إليه ، وقال : أنا أخوك في هذه الطريق، وفي الأخذ عن شيخك الشيخ عمر . ووصفه ،له وأخبره أنه يلقاه بهذا الحرم كل بضعة أيام فأنس به، واستفاد منه كثيراً من
،