نص الكتاب

الكتاب المُصوّر

وقوله جل شأنه : « وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ » وهذه آيات توجب على العاقل أن يفكر :
في نفسه وفى مصيره وقد فكرت كأى مفكر يفكر فى عاقبته ، ودونت بعض أفكارى قبل أن أقرأ لغيرى لئلا أتأثر بتفكيره ، أو ينفث في روعى من عقيدته دون أن أتبين صواب محجته ، أو يَدَعَ على عقلى حجابا لا أتمكن بعد ذلك من إزالته ، ولأكون حرا لا أعتمد على أحد في تفكيرى ، ويكون جل اعتمادى على ما يفيضه الله على قلبي غير هياب ولا وجل ، فإني أعتقد أن الله هو المعلم الذى إذا استفتحته فتح لى ، وإذا استلهمته ألهمنى وفهمنى ، وإذا استهديته هداني ورشدنى، والقلوب والأفئدة بين يديه ، لا يخطر على القلب خاطر إلا بعلمه ، وقد علمنى والدى رحمه الله رحمة واسعة أن أرفع حجاب التقليد عن عقلى وفطرتى ، فإن هذا الحجاب يميت السمو والارتقاء فى الأفراد والأم على السواء ، إذ يصبح الفرد مقيدا مغلولا لا يعتمد على الله فى تفكيره ولا يستلهمه ، وتصبح لغيرها في العلوم والمعارف ، وهذا الاستعباد أكثر ضررا من استعباد الأراضي والبلاد ، لأنه يدل على أن عقلها لم ينضج للاستقلال بالفكر وهداية غيرها من الأمم إلى سمو الإدراك الإنساني
الأمة عالة مستعبدة
وإطلاق الفكر حرا في فضاء الفيض اللانهائى يفتح موارد العلم السامي الذي تنتفع منه الخليقة ولا ينتهى . والناس فى التأليف على أنواع :
قوم يعتمدون على النقل ويبالغون فى استقراء المراجع لما لاقى العلم من جهل النقلة وأطياف الكذب ، وهم نقلة العلم وحفظته يجمعونه للناس من الماضى إلى الحاضر حريصون على نسبة العلم لأهله وبيان مظانه . وقوم ينقبون في أغوار الماضى عساهم يخرجون ما يفيد في الحاضر والمستقبل للوصل بينهما مع التهذيب والترجيح . وقوم يقربونه للأفهام ويسيغونه للقاصرين . وقوم يجمعون لبحث بعينه ما غاب فى شتات الكتب ، وهؤلاء وهؤلاء لهم الفضل ، ولكن الفضل الأكبر لكل من لا يستحي أن يطالع الناس بأفكاره مهما كانت صياغته لهذه الأفكار ، ويجتهد أن يزيد المعانى معنى جديدا أو يلبسها ثوبا ناصعا تطرب له العقول وتسكن إليه القلوب، حتى ولو أتعب الناس فى أن يغوصوا على درره في شتات حديثه؛