نص الكتاب

الكتاب المُصوّر

رأيت قوما باتوا في الفقر والشقاء بعد الغنى والثراء ، حقا ما أضيق الحياة إذا ساورها هذا الضيق وكان الموت نهايتها الذى ينتهى إليه الإنسان ! . وتنبهت بعد هذا الشعور إلى ما حولى من مرأئي الطبيعة البهيجة ، فرأيت إحساسا من الأنس الذي لا أعلم مصدره يغمر صدرى وصرت أردد : بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ « الرَّحْمَنُ عَلَمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الإِنْسَانِ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ » . . الله الرحمن الرحيم ( أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ . أقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ . الَّذِي عَلَمَ بِالْقَلَمِ . علم الْإِنْسَانَ مَالَم يَعْلَمُ » .
.
ما أعذب هذه الآيات الشريفة ، وما أرقها من سلسبيل تحيا به القلوب وتنتعش به الأفئدة ، من تذوق حلاوتها ، وأدرك مراميها ، أينعت في قلبه شجرة الإيمان ، وانت أطيب الثمرات ، كلمات تسيل سهولة ورقة ، وتزداد حلاوة على التكرار ، وتزداد بفضل تفهمها معارف الإنسان . فهي مصدر المعرفة وآية البيان ، « الرحمن ...» ما أجله تفضل على خلقه بالإدراك والوجود ، وأنعم عليهم بجلائل نعمه ، وأسبغها عليهم ظاهرة وباطنة ، وغمرهم بقيض المعرفة ، ونور العقل والإدراك ، ولولا ذلك الفيض وهذا النور السارى في ملكوت
السموات والأرض لانطفأ سراج العالم ، وتعطل الفهم وحسر اللب عن تفهم آیات الله وتذوق نعمه وحمد آلائه . لولا الرحمن ما كان الوجود ، ولولا نوره ما ارتقى العقل إلى الإدراك السامي ، ولولا فيضه لارتد العالم كئيبا حزينا ؛ وما تذوق إنسان نعمة من نعمه ، ولا فهم دقيقة من إبداع صنعه ولا صفة من صفات كماله وكبير آلائه ، ولو لم ينعم على خلقه بقوة أسرار المعرفة الباطنة والغرائز الملهمة والفيض الذي لا ينقطع بين الخالق والمخلوقين بسر إرادته وتدبيره ودقيق حكمته وبر حنانه ، لحرموا التشوق إليه ولضاقت عليهم الأرض. بما رحبت وظلت صدورهم ضيقة حرجة ، لا يؤنسها أنيس ولا ينقذها من غياهب ضلالها منقذ، لولا الله ما اتخذت من الخلق أنيسا ولاستوحشت فى هذا الوجود الذي ليس له سراج من نفسه . فإلى الرحمن أحن بسر باطن وإليه أتوجه و بتوره أهتدى ، و بفيضه آنس وأزداد. معرفة بسر هذا الوجود . وكانت المعانى هى التي تفيض فى نفسى كأنها لم تبلغنى من قبل ،