تفسير جزء عم - عبده - ط مطبعة مصر 1341هـ

ـ

نص الكتاب

الكتاب المُصوّر

|
( تفسير جزء عم )
ناعمة لتنها راضية فِي جَنَّةٍ عالية لا نسمع فيها لاغية فيها
عين جارية
فهى
~
النعيم
«
من الوصف أقبل على أهل الاخلاص والصدق يقر أعينهم بما سيلقون ذلك اليوم من فضله ( ناجمة ( ذات بهجة وحسن كما قال « تعرف في وجوههم نضرة ولا تكون كذلك الا اذا كانت متنعمة فرحة بما لاقت من جزاء سعيها في الدنيا لسعيها راضية على ضد ما عليه تلك العاملة الناصبة والجنة هي دار النعيم في الآخرة وسميت بهذا الاسم من الاجتنان وهو الستر لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها ووصفها بالعلو لأن خير الأماكن ما كان رفيعاً أو هي عالية رفيعة. في أوصافها ومزاياها كما سيذكر ذلك في قوله ( لا تسمع فيها لاغية ) أي لا تسمع تلك الوجوه أى أولئك المخلصون الذين عبر عنهم بالوجوه أو لا تسمع أنت أيها المخاطب فى تلك الجنة لغواً أي كلاما لا يعتد به ولا شما ولا سبا ولا خشاً ولا باطلا كل ذلك مما يصح أن يطلق عليه اسم اللغو لأنه قول لا فائدة فيه وانما عجل بهذا الوصف الشريف عقب ذكر الجنة قبل ذكر بقية أنواع النعيم لدفع ما يسبق الى الاذهان عند ذكر الجنة ونعيمها من أحوال أهل الترف والمولعين بالشهوات من تمضية الأوقات في اللهو والقول اللغو واطلاق الألسن عن قيد الادب فيجعلون من متمات النعيم قذائف الهجر والفحش فقد سارع الى تنزيه نعيم اهل الجنة عما هو من لوازم نعيم غيرهم فى الدنيا وفى ذلك تنبيه للمؤمنين الى أنه أن يكونوا من أهل اللغو مهما فاض عليهم النعيم واتسعت لهم بل ذلك مما ينزهون عنه حتى اذا رفعت عنهم التكاليف ووصلوا الى فضاء الرحمة الذي لا سخط فيه ولا نقمة فنعيمهم ينبغى أن يكون نعيم أهل الفضل والجد لا نعيم. أهل الجهل والحمق فاعتبر بهذه الحكمة ثم انظر كيف قدم من الأوصاف للجنة. وضروب نعيمها ماهو روحانى يليق بأرباب النفوس العالية والمقامات الرفيعة في العرفان وكمال الوجدان نذكر الرضا بالسعى ولذته فوق اللذائذ فانه لا لذة تفوق. عند العامل لذة سروره بعمله ثم أتبعه بالتنزه عن اللغو وما لا فائدة فيه وهو أسمى ما يطلب الكامل أن يحيا به ثم جاء بعد ذلك بما له شبه باللذائد الجسمانية المعهودة لنا في هذه الحياة فقال ( فيها عين جارية ( أى ينبوع ماء جار والماء الجارى اذا
لا يليق بهم
النعمة