سلاسل الذهب الأعمال النثرية الكاملة

علي الجارم

نص الكتاب

الكتاب المُصوّر

صوتاً ضعيفاً متقطعاً، ولا يحس إلا رفيف خفاش عاد من بعض الحدائق بعد أن نال من
ثمارها .
سار الفارسان هكذا صامتين جامدين فمرا بجامع العسكر، وكان أبو هلال السبكي مؤذن المسجد ينام فوق سطحه ، واتفق أن أيقظه بعض الهوام، فبدرت منه التفاته ، فرأى الفارسين. وكان من بين كبار المخرفين يحتفظ إلى حفظه القرآن الكريم بثروة واسعة من أقاصيص الجن والشياطين، فما كاد يرى الفارسين حتى حملق وتمتم بكل ما وعى صدره من صنوف الاستعاذات والأدعية، فلما جاوزاه تنفس الصعداء ، وأخذ يسكن رعدة هزت أوصاله، ويحدث نفسه فى همس لم تسمعه أذنه : أفارسان هما؟ لا . إنهما لم يكونا فارسين، أنا واثق بذلك ثقتي بوجود هذه المئذنة القائمة. وأنّى لفارسين أن يسيرا في هذا الليل الداجي، وفى ليلة يسكن فيها كل رجل إلى أهله ويهدأ ليستقبل العيد مرحاً نشيطاً؟ إنهما لم يتحركا ولم يتهامسا فكيف يكونان رجلين ؟ لقد رأيت بعيني شرراً يتطاير من أعينهما، ورأيت بعيني أنهما كانا يركبان أسدين لا حصانين . نعم لقد كانا أسدين ما في ذلك شك . لقد سمعت زئيرهما بأذنى ولقد اتجه أحدهما ببصره إلى الأعلى كأنه أحس بمكاني فأخفيت وجهي . خلف شرفات المسجد.
يسير
ويلى من هذه الأرواح الشريرة التي لا تدب إلا فى حلك الظلام وإلى أين كان هذان الشيطانان ؟ أغلب الظن أنهما لا ينتهيان إلى خير أكان على أن أصيح بملء صوتى
حتى أوقظ النوام لينقضوا عليهما ؟ لا . لو فعلت وتيقظ الناس لتسربا في الهواء، ولم يكن جزائي إلا أن أشتم أو أرمى بالجنون غداً أقص على الناس هذا الخبر الرائع، وسيكون حديث العيد، وسوف ينالني شيء من الخير كلما قصصته على من لهم ولوع بمثل هذه
الأخبار .
ابتعد الفارسان عن جامع العسكر فمال أحدهما على صاحبه وقال هامساً :
- كيف نجتاز الباب الشرقي يا أبا الطيب؟
هذا ما كنت أفكر فيه يا ابن يوسف، ومن العجيب أننا دبرنا كل شيء ولم يخطر يبال أحدنا أن الباب سيكون مغلقاً، وأن الحارس قد يكون شريراً عنيفاً .
لو كان الحارس شكساً صخاباً لقضى الأمر وكتبت علينا الخيبة .
۱۹۲